لبنان بين أنقاض الطوائف وضرورة القطيعة السياسية
لم يقدّم أمراء الطوائف وأحزابهم للبنان سوى الاقتتال والخراب، وسلسلة متواصلة من الطروحات السياسية العقيمة، المنبثقة من مخيّلة قاصرة ومصالح ضيّقة. وقد بات هؤلاء جميعاً، من دون استثناء، خارج الزمن السياسي، ولا مكان لهم في مستقبل بلد أنهكته سياساتهم وراكمت إخفاقاتهم أزماته.
المسؤولية عمّا وصلنا إليه واضحة ومباشرة: إفلاس مالي شامل، وانهيار اقتصادي عميق، وتراجع حضاري ومدني غير مسبوق. فلا يُعقل انتظار حلول من فاشلين، ولا إصلاحاً على يد فاسدين، كما يستحيل أن يحارب الطائفية من جعل منها مصدر سلطته وشرعية نفوذه.
وإذا كانت المراجعة النقدية ضرورة وطنية، فإنها لا تستقيم من دون كشف حساب صريح واستخلاص جدي للدروس. فالخروج من المأزق الراهن لا يمكن أن يتحقق عبر الترميم الشكلي أو التلميع الإعلامي، ولا بالالتفاف على الوقائع أو إنكار الحقائق، كما درجت المعالجات السابقة التي لم تُنتج سوى مزيد من التدهور والانهيار.
إن ما بلغه لبنان من اهتراء شامل، سياسياً واقتصادياً ومؤسساتياً، يتطلّب معالجات جذرية وبنيوية، تستند إلى إرادة صلبة وجرأة في اتخاذ المبادرات، وقدرة على اجتراح رؤى جديدة ورسم استراتيجيات فعّالة تعيد للدولة معناها ولدورها فاعليته. وهي شروط لا تتوافر في زعامات تقليدية استُهلكت لغتها ووجوهها، وثبت عجزها عبر عقود من الإمساك بمصير البلاد.
فالأحزاب اللبنانية التقليدية لا تحمل مشروعاً اقتصادياً وطنياً حقيقياً، بل تكتفي بنموذج واحد: تهجير الشباب إلى الخارج وتحويل الوطن إلى اقتصاد تحويلات، بدل بناء قطاعات إنتاجية تحرّر المجتمع من التبعية وتمنحه شروط الصمود والتنمية. ومواجهة هذا الخيار ليست موقفاً سياسياً عابراً، بل واجب وطني لا يحتمل التأجيل.
لقد أثبتت التجربة أن من صنعوا ماضي لبنان المظلم عاجزون عن صناعة مستقبل مشرق. ومن هنا، فإن تحرير مؤسسات الدولة من هيمنة الأحزاب الرجعية والمتخلّفة يشكّل مهمة وطنية ملحّة، تتطلّب توحيد الجهود وكسر حلقة إعادة إنتاج الفشل، والانتقال من منطق الطوائف إلى منطق الدولة، ومن ثقافة الزعامة إلى ثقافة المواطنة. وحدها هذه القطيعة السياسية تفتح أفقاً حقيقياً لإنقاذ لبنان وبناء مستقبله.

كتب عادل اسماعيل: لبنان بين أنقاض الطوائف وضرورة القطيعة السياسية

عادل اسماعيل
·1 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب عادل اسماعيل: لبنان بين أنقاض الطوائف وضرورة القطيعة السياسية

عادل اسماعيل
·1 د قراءة
تم نسخ الرابط
لبنان بين أنقاض الطوائف وضرورة القطيعة السياسية
لم يقدّم أمراء الطوائف وأحزابهم للبنان سوى الاقتتال والخراب، وسلسلة متواصلة من الطروحات السياسية العقيمة، المنبثقة من مخيّلة قاصرة ومصالح ضيّقة. وقد بات هؤلاء جميعاً، من دون استثناء، خارج الزمن السياسي، ولا مكان لهم في مستقبل بلد أنهكته سياساتهم وراكمت إخفاقاتهم أزماته.
المسؤولية عمّا وصلنا إليه واضحة ومباشرة: إفلاس مالي شامل، وانهيار اقتصادي عميق، وتراجع حضاري ومدني غير مسبوق. فلا يُعقل انتظار حلول من فاشلين، ولا إصلاحاً على يد فاسدين، كما يستحيل أن يحارب الطائفية من جعل منها مصدر سلطته وشرعية نفوذه.
وإذا كانت المراجعة النقدية ضرورة وطنية، فإنها لا تستقيم من دون كشف حساب صريح واستخلاص جدي للدروس. فالخروج من المأزق الراهن لا يمكن أن يتحقق عبر الترميم الشكلي أو التلميع الإعلامي، ولا بالالتفاف على الوقائع أو إنكار الحقائق، كما درجت المعالجات السابقة التي لم تُنتج سوى مزيد من التدهور والانهيار.
إن ما بلغه لبنان من اهتراء شامل، سياسياً واقتصادياً ومؤسساتياً، يتطلّب معالجات جذرية وبنيوية، تستند إلى إرادة صلبة وجرأة في اتخاذ المبادرات، وقدرة على اجتراح رؤى جديدة ورسم استراتيجيات فعّالة تعيد للدولة معناها ولدورها فاعليته. وهي شروط لا تتوافر في زعامات تقليدية استُهلكت لغتها ووجوهها، وثبت عجزها عبر عقود من الإمساك بمصير البلاد.
فالأحزاب اللبنانية التقليدية لا تحمل مشروعاً اقتصادياً وطنياً حقيقياً، بل تكتفي بنموذج واحد: تهجير الشباب إلى الخارج وتحويل الوطن إلى اقتصاد تحويلات، بدل بناء قطاعات إنتاجية تحرّر المجتمع من التبعية وتمنحه شروط الصمود والتنمية. ومواجهة هذا الخيار ليست موقفاً سياسياً عابراً، بل واجب وطني لا يحتمل التأجيل.
لقد أثبتت التجربة أن من صنعوا ماضي لبنان المظلم عاجزون عن صناعة مستقبل مشرق. ومن هنا، فإن تحرير مؤسسات الدولة من هيمنة الأحزاب الرجعية والمتخلّفة يشكّل مهمة وطنية ملحّة، تتطلّب توحيد الجهود وكسر حلقة إعادة إنتاج الفشل، والانتقال من منطق الطوائف إلى منطق الدولة، ومن ثقافة الزعامة إلى ثقافة المواطنة. وحدها هذه القطيعة السياسية تفتح أفقاً حقيقياً لإنقاذ لبنان وبناء مستقبله.








