لبنان بين نارين: حين يُختزل الإنسان إلى رسالة
لم يكن ما شهده اللبنانيون بعد ظهر اليوم مجرّد تصعيد عسكري عابر. مسيّرة تُحلّق فوق بيروت الكبرى، قصف يطال مخيم عين الحلوة جوار صيدا، وغارة على رياق في البقاع؛ مشهد متكامل يرسم خريطة رسائل بالنار. الحصيلة الأولى — ثمانية قتلى وعدد من الجرحى — ليست رقمًا في بيان عسكري، بل أسماء وعائلات وبيوت أُضيفت إلى سجل الألم اللبناني المفتوح.
الواضح أن إسرائيل لا تخاطب الداخل اللبناني فحسب، بل تُصعّد لتُسمع خصمها الإقليمي في إيران. إنها معادلة الردع بالوكالة، حيث تُكتب الرسائل فوق أرض ليست أرض المُرسِل ولا المُتلقّي. وفي هذه اللعبة القاسية، يصبح لبنان صندوق بريد إقليميًا، تُلقى فيه التحذيرات وتُختبر فيه حدود الاحتمال.
غير أن المأساة لا تقف عند حدود الضربة والرد. فالأبرياء — إن بقي في هذا الخراب متّسع لبراءة — يُستعملون وقودًا في صراع يتجاوزهم. حين تتحوّل الأحياء إلى منصّات، والمخيمات إلى مواقع متقدّمة، يُختزل الإنسان إلى درع بشري أو تفصيل لوجستي. عندها لا يعود السؤال: من أطلق النار أولًا؟ بل: من قرّر أن يجعل المدنيين خط التماس؟
استخدام البشر دروعًا بشرية، أيًّا كان الفاعل وتحت أي شعار، جريمة أخلاقية قبل أن تكون مخالفة قانونية. فالعقائدي الذي يقدّم الفكرة على الإنسان ينتهي — ولو ادّعى المقاومة أو الحماية — إلى النتيجة ذاتها: تهميش الحياة الفردية لصالح سردية كبرى. وهكذا يدفع المدنيون الثمن مرّتين؛ مرّة بنار العدو، ومرّة بحسابات الحليف.
لبنان اليوم أمام اختبار يتجاوز الشعارات. إمّا أن يبقى ساحة لتبادل الرسائل بين العواصم، وإمّا أن يُعيد تعريف أولوياته على قاعدة بسيطة: حماية الإنسان قبل الأيديولوجيا، وصون السيادة قبل الاصطفاف. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تترك شعبها رهينة لموازين قوى لا ترحم.
في زمن التصعيد، تبدو الحكمة فعل شجاعة. وأولى الشجاعات أن يُقال بوضوح: لا قضية تعلو على حياة المدنيين، ولا مقاومة تُبرّر تحويل الناس إلى دروع، ولا ردع يشرّف أصحابه إذا كان ثمنه دم الأبرياء. لبنان لا يحتمل رفاهية الشعارات، بل يحتاج إلى إرادة سياسية تُعيد الإنسان إلى قلب المعادلة، لا إلى هامشها.
لبنان بين نارين: حين يُختزل الإنسان إلى رسالة
لم يكن ما شهده اللبنانيون بعد ظهر اليوم مجرّد تصعيد عسكري عابر. مسيّرة تُحلّق فوق بيروت الكبرى، قصف يطال مخيم عين الحلوة جوار صيدا، وغارة على رياق في البقاع؛ مشهد متكامل يرسم خريطة رسائل بالنار. الحصيلة الأولى — ثمانية قتلى وعدد من الجرحى — ليست رقمًا في بيان عسكري، بل أسماء وعائلات وبيوت أُضيفت إلى سجل الألم اللبناني المفتوح.
الواضح أن إسرائيل لا تخاطب الداخل اللبناني فحسب، بل تُصعّد لتُسمع خصمها الإقليمي في إيران. إنها معادلة الردع بالوكالة، حيث تُكتب الرسائل فوق أرض ليست أرض المُرسِل ولا المُتلقّي. وفي هذه اللعبة القاسية، يصبح لبنان صندوق بريد إقليميًا، تُلقى فيه التحذيرات وتُختبر فيه حدود الاحتمال.
غير أن المأساة لا تقف عند حدود الضربة والرد. فالأبرياء — إن بقي في هذا الخراب متّسع لبراءة — يُستعملون وقودًا في صراع يتجاوزهم. حين تتحوّل الأحياء إلى منصّات، والمخيمات إلى مواقع متقدّمة، يُختزل الإنسان إلى درع بشري أو تفصيل لوجستي. عندها لا يعود السؤال: من أطلق النار أولًا؟ بل: من قرّر أن يجعل المدنيين خط التماس؟
استخدام البشر دروعًا بشرية، أيًّا كان الفاعل وتحت أي شعار، جريمة أخلاقية قبل أن تكون مخالفة قانونية. فالعقائدي الذي يقدّم الفكرة على الإنسان ينتهي — ولو ادّعى المقاومة أو الحماية — إلى النتيجة ذاتها: تهميش الحياة الفردية لصالح سردية كبرى. وهكذا يدفع المدنيون الثمن مرّتين؛ مرّة بنار العدو، ومرّة بحسابات الحليف.
لبنان اليوم أمام اختبار يتجاوز الشعارات. إمّا أن يبقى ساحة لتبادل الرسائل بين العواصم، وإمّا أن يُعيد تعريف أولوياته على قاعدة بسيطة: حماية الإنسان قبل الأيديولوجيا، وصون السيادة قبل الاصطفاف. فالدولة التي لا تحتكر قرار الحرب والسلم تترك شعبها رهينة لموازين قوى لا ترحم.
في زمن التصعيد، تبدو الحكمة فعل شجاعة. وأولى الشجاعات أن يُقال بوضوح: لا قضية تعلو على حياة المدنيين، ولا مقاومة تُبرّر تحويل الناس إلى دروع، ولا ردع يشرّف أصحابه إذا كان ثمنه دم الأبرياء. لبنان لا يحتمل رفاهية الشعارات، بل يحتاج إلى إرادة سياسية تُعيد الإنسان إلى قلب المعادلة، لا إلى هامشها.










