ما بعد الحرب: كيف قد يتغير ميزان القوى في الشرق الأوسط؟
القراءة السائدة للحرب الدائرة في المنطقة بين إسرائيل وإيران غالباً ما تبقى أسيرة الانفعال السياسي أو الاصطفاف الأيديولوجي. غير أن ما يجري قد يكون في الواقع مقدمة لتحولات أعمق في ميزان القوى الإقليمي وفي بنية النظام الدولي نفسه.
فالتحولات الكبرى في التاريخ لا تتجلى عادة في لحظة الانفجار، بل في النتائج التي تعيد رسم مواقع الفاعلين بعد أن تهدأ المعارك.
إيران واحتمال التحول الداخلي
أحد الاحتمالات المطروحة هو أن تشهد إيران تحوّلاً داخلياً عميقاً قد يصل إلى انقلاب سياسي داخل النظام. فالضغوط الاقتصادية، وتراكم الأزمات الداخلية، وتآكل العقد السياسي الذي تأسس بعد الثورة الإيرانية عام 1979، كلها عوامل قد تدفع نحو إعادة تشكيل السلطة.
وفي مثل هذا السيناريو قد لا يكون الهدف إسقاط الدولة الإيرانية، بل إعادة توجيهها لتعود إلى دور إقليمي أقرب إلى الدور الذي لعبته في العهد الشاهنشاهي، ولكن ضمن توازنات جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع الغرب.
إسرائيل والانتصار المُرهق
أما إسرائيل ، فحتى لو خرجت من المواجهات الراهنة بإنجازات عسكرية، فإنها ستواجه واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً. فقد تعرضت صورة الردع الإسرائيلي لهزتين واضحتين: الأولى مع هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والثانية مع طول أمد الحرب وما كشفته من حدود القوة العسكرية.
كما أن الحروب الطويلة تستنزف الشرعية السياسية بقدر ما تستنزف القدرات العسكرية، وهو ما قد يجعل إسرائيل تخرج من هذه المرحلة أكثر قوة عسكرياً ولكن أكثر هشاشة استراتيجياً.
حسابات الولايات المتحدة
في الوقت ذاته، تبدو حسابات الولايات المتحدة الأمريكية أكثر تعقيداً مما يصوره الخطاب السياسي المبسط. فواشنطن لا تدير سياستها الخارجية وفق مصالح إسرائيل وحدها، رغم قوة اللوبيات المؤثرة في القرار الأمريكي.
الأولوية الاستراتيجية للولايات المتحدة اليوم تكمن في التنافس مع الصين، ومحاولة إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي بما يمنع صعود منافس قادر على تهديد الهيمنة الأمريكية.
ومن هنا تصبح مسألة فصل إيران عن المحور الروسي-الصيني هدفاً مهماً في الاستراتيجية الأمريكية، لأن انضمام إيران الكامل إلى هذا المحور قد يعزز قدرة هذا التحالف على تحدي النفوذ الأمريكي في آسيا والشرق الأوسط.
العرب بين التبعية والفرصة
في خضم هذه التحولات، قد يجد العالم العربي نفسه أمام فرصة نادرة لإعادة بناء استقلاله الاستراتيجي. فقد عاش العرب خلال العقود الأخيرة بين نوعين من الحماية غير المباشرة:
نفوذ إيراني في أجزاء من الهلال المشرقي.
ومظلة أمنية مرتبطة بإسرائيل أو بالتحالفات الغربية في الخليج.
غير أن التحولات الجارية قد تفتح المجال أمام إعادة التفكير في موقع العرب في النظام الإقليمي، بحيث ينتقلون من موقع الساحة التي تُدار فيها الصراعات إلى موقع الفاعل الذي يصوغ التوازنات.
خطر الاختراق الداخلي
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في التوازنات الدولية، بل في القدرة على حماية الدول من الاختراق الداخلي. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش، بل على ضرب مراكز القرار عبر الشبكات الاستخباراتية أو عبر ما يسمى بالطابور الخامس.
ولهذا فإن الدول التي تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة – مثل تركيا وباكستان – قد تلعب دوراً مهماً في بناء منظومات ردع جديدة داخل العالم الإسلامي.
نحو نظام دولي متعدد الأقطاب
كل ذلك يجري في سياق تحوّل أوسع للنظام الدولي، حيث يتجه العالم تدريجياً نحو تعددية قطبية تضم قوى رئيسية مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، روسيا، الهند.
وفي هذا السياق قد يصبح من الممكن ظهور أقطاب حضارية جديدة إذا استطاعت بناء قدراتها الذاتية وتجاوز انقساماتها.
خاتمة
إن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد مواجهة بين دولتين، بل فصل من عملية إعادة تشكيل للنظام الدولي كله. والدرس الذي يقدمه التاريخ واضح: الأمم التي تبقى أسيرة صراعاتها الداخلية تتحول إلى ساحات للآخرين، أما الأمم التي تنجح في بناء قوتها الذاتية فتتحول إلى فاعل في صناعة التاريخ.
والسؤال الحقيقي ليس من سينتصر في الحرب الراهنة، بل من سيكون قادراً على استثمار نتائجها لبناء توازن جديد في المنطقة.

كتب عادل اسماعيل: ما بعد الحرب: كيف قد يتغير ميزان القوى في الشرق الأوسط؟

عادل اسماعيل
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب عادل اسماعيل: ما بعد الحرب: كيف قد يتغير ميزان القوى في الشرق الأوسط؟

عادل اسماعيل
·3 د قراءة
تم نسخ الرابط
ما بعد الحرب: كيف قد يتغير ميزان القوى في الشرق الأوسط؟
القراءة السائدة للحرب الدائرة في المنطقة بين إسرائيل وإيران غالباً ما تبقى أسيرة الانفعال السياسي أو الاصطفاف الأيديولوجي. غير أن ما يجري قد يكون في الواقع مقدمة لتحولات أعمق في ميزان القوى الإقليمي وفي بنية النظام الدولي نفسه.
فالتحولات الكبرى في التاريخ لا تتجلى عادة في لحظة الانفجار، بل في النتائج التي تعيد رسم مواقع الفاعلين بعد أن تهدأ المعارك.
إيران واحتمال التحول الداخلي
أحد الاحتمالات المطروحة هو أن تشهد إيران تحوّلاً داخلياً عميقاً قد يصل إلى انقلاب سياسي داخل النظام. فالضغوط الاقتصادية، وتراكم الأزمات الداخلية، وتآكل العقد السياسي الذي تأسس بعد الثورة الإيرانية عام 1979، كلها عوامل قد تدفع نحو إعادة تشكيل السلطة.
وفي مثل هذا السيناريو قد لا يكون الهدف إسقاط الدولة الإيرانية، بل إعادة توجيهها لتعود إلى دور إقليمي أقرب إلى الدور الذي لعبته في العهد الشاهنشاهي، ولكن ضمن توازنات جديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع الغرب.
إسرائيل والانتصار المُرهق
أما إسرائيل ، فحتى لو خرجت من المواجهات الراهنة بإنجازات عسكرية، فإنها ستواجه واقعاً استراتيجياً أكثر تعقيداً. فقد تعرضت صورة الردع الإسرائيلي لهزتين واضحتين: الأولى مع هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والثانية مع طول أمد الحرب وما كشفته من حدود القوة العسكرية.
كما أن الحروب الطويلة تستنزف الشرعية السياسية بقدر ما تستنزف القدرات العسكرية، وهو ما قد يجعل إسرائيل تخرج من هذه المرحلة أكثر قوة عسكرياً ولكن أكثر هشاشة استراتيجياً.
حسابات الولايات المتحدة
في الوقت ذاته، تبدو حسابات الولايات المتحدة الأمريكية أكثر تعقيداً مما يصوره الخطاب السياسي المبسط. فواشنطن لا تدير سياستها الخارجية وفق مصالح إسرائيل وحدها، رغم قوة اللوبيات المؤثرة في القرار الأمريكي.
الأولوية الاستراتيجية للولايات المتحدة اليوم تكمن في التنافس مع الصين، ومحاولة إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي بما يمنع صعود منافس قادر على تهديد الهيمنة الأمريكية.
ومن هنا تصبح مسألة فصل إيران عن المحور الروسي-الصيني هدفاً مهماً في الاستراتيجية الأمريكية، لأن انضمام إيران الكامل إلى هذا المحور قد يعزز قدرة هذا التحالف على تحدي النفوذ الأمريكي في آسيا والشرق الأوسط.
العرب بين التبعية والفرصة
في خضم هذه التحولات، قد يجد العالم العربي نفسه أمام فرصة نادرة لإعادة بناء استقلاله الاستراتيجي. فقد عاش العرب خلال العقود الأخيرة بين نوعين من الحماية غير المباشرة:
نفوذ إيراني في أجزاء من الهلال المشرقي.
ومظلة أمنية مرتبطة بإسرائيل أو بالتحالفات الغربية في الخليج.
غير أن التحولات الجارية قد تفتح المجال أمام إعادة التفكير في موقع العرب في النظام الإقليمي، بحيث ينتقلون من موقع الساحة التي تُدار فيها الصراعات إلى موقع الفاعل الذي يصوغ التوازنات.
خطر الاختراق الداخلي
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في التوازنات الدولية، بل في القدرة على حماية الدول من الاختراق الداخلي. فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد فقط على الجيوش، بل على ضرب مراكز القرار عبر الشبكات الاستخباراتية أو عبر ما يسمى بالطابور الخامس.
ولهذا فإن الدول التي تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة – مثل تركيا وباكستان – قد تلعب دوراً مهماً في بناء منظومات ردع جديدة داخل العالم الإسلامي.
نحو نظام دولي متعدد الأقطاب
كل ذلك يجري في سياق تحوّل أوسع للنظام الدولي، حيث يتجه العالم تدريجياً نحو تعددية قطبية تضم قوى رئيسية مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، الصين، روسيا، الهند.
وفي هذا السياق قد يصبح من الممكن ظهور أقطاب حضارية جديدة إذا استطاعت بناء قدراتها الذاتية وتجاوز انقساماتها.
خاتمة
إن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد مواجهة بين دولتين، بل فصل من عملية إعادة تشكيل للنظام الدولي كله. والدرس الذي يقدمه التاريخ واضح: الأمم التي تبقى أسيرة صراعاتها الداخلية تتحول إلى ساحات للآخرين، أما الأمم التي تنجح في بناء قوتها الذاتية فتتحول إلى فاعل في صناعة التاريخ.
والسؤال الحقيقي ليس من سينتصر في الحرب الراهنة، بل من سيكون قادراً على استثمار نتائجها لبناء توازن جديد في المنطقة.








