ما بعد نظام الملالي: لماذا يجب الاستعداد لإدارة السقوط بدل إنكاره؟
حين تُبرَّر الديكتاتورية باسم الاستقرار ومصلحة الأمة
يرفع كثيرٌ من المثقفين العرب، في خطابهم النظري، شعارات الحرية والكرامة ومناهضة الاستبداد، لكنهم يسقطون هذه الشعارات عند أول اختبار عملي. ويتجلّى هذا السقوط بوضوح في موقفهم من الثورة الشعبية الجارية في إيران؛ إذ يصطفّون ضدها لا دفاعًا عن مبدأ، بل خوفًا على «استقرار المنطقة»، وكأن كرامة الشعوب وحقها في الخبز والحرية يمكن تأجيلهما إلى أجلٍ غير مسمّى.
لا يجادل هؤلاء في الطبيعة القمعية للنظام الإيراني، لكنهم يبرّرون استمراره بحجج باتت مألوفة: الثورة مغامرة غير محسوبة، وسقوط النظام قد يفتح أبواب الفوضى والحروب، والبديل المحتمل مجهول، وربما أكثر ارتهانًا للغرب أو للصهيونية. وهكذا تُختزل إرادة شعبٍ كامل في سيناريوهات تخويف نظرية، بينما يُطلب من الملايين الصبر على القمع باعتباره «أخفّ الضررين».
المعيار المغيَّب: إرادة الشعوب لا رغبات القوى الكبرى
المعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه ليس: ماذا تريد أميركا أو ترامب أو الغرب، بل طبيعة النظام نفسه: هل يحظى بقبول شعبي حقيقي أم لا؟
فالملايين التي يُخرجها النظام الإيراني في مسيرات منظّمة لا تعبّر عن إرادة الشعب، بل عن إرادة السلطة وأجهزتها، في حين أن المتظاهرين الذين ينزلون إلى الشارع، رغم الرصاص والسجون، هم التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية.
أما حجة «التدخل الغربي» فهي انتقائية مكشوفة؛ فقد طالب أوباما الأسد بالتنحي فورًا، فهل تنحّى؟ لم يفعل. وقال قادة الغرب لمبارك إن عليه الرحيل، فهل دافع عنه أنصار «الممانعة» بحجة التدخل الأجنبي؟ بالطبع لا. فلماذا تُستحضَر هذه الحجة فقط عندما يتعلّق الأمر بالنظام الإيراني؟
كما أن الادعاء بأن النظام الإيراني يتمتع بشعبية واسعة لا يصمد أمام الوقائع؛ فلو كان واثقًا من شرعيته، لما احتاج إلى عسكرة الشارع، ولا إلى استعراضات جماهيرية قسرية، ولا إلى هذا المستوى من القمع. فالأنظمة الواثقة من شعوبها لا تخشى الناس.
أنانية المثقف: حين يُلغى الإنسان باسم الجغرافيا
للأسف، لا تهمّ كثيرًا من هؤلاء معاناة الشعب الإيراني تحت نظام قمعي دموي، ولا تهمّهم معاناة العراقيين واللبنانيين واليمنيين الذين دفعوا ثمن المشروع الطائفي التوسعي، ولا مأساة السوريين الذين وقف هذا النظام ضد أحلامهم في الحرية والكرامة.
ما يهمّهم فقط هو بقاء «إيران القوّة» كما تُسوَّق في الخطاب الدعائي، ولو على حساب الشعوب. يبتلعون أكاذيب «الجمهورية الإسلامية» بلا مساءلة، كأنها كيان منزَّه عن الكذب، رغم أن سجلّها في القمع الداخلي والتخريب الخارجي صار أوضح من أن يُنكر.
وتحت يافطة «مصلحة الأمة» يذهب بعضهم إلى حدّ تبرير بقاء النظام الإيراني، رغم جرائمه، باعتباره «أخفّ الضررين». وهنا يبلغ الخطاب ذروته في التناقض الأخلاقي؛ فالأمة لا تُحمى بسحق الشعوب، ولا تُصان بتحويل المظلومين إلى كبش فداء لمعادلات الدول ومخاوفها.
هل النظام الإيراني هو «الحصن الأخير»؟
لا شكّ أن كثيرًا من أصحاب الرأي «المعتدل» في دول الجوار ينطلقون، في مقاربتهم لما يجري في إيران، من اعتبارات المصلحة والأمن القومي لبلدانهم، وهو حقّ مشروع لا يُنكر. وهم يرون أن نظام الملالي، بكل مساوئه، يبقى أقلّ خطرًا من بديلٍ مجهول قد يكون أكثر ارتهانًا للغرب أو للصهيونية.
غير أن هذا التقدير، مهما حسنت نواياه، يتجاهل حقيقة صارخة: نحن أمام نظام فاسد، طاغية، مستبد، فقد شرعيته الشعبية. فالشعب الإيراني، في معظمه، يعيش حالة احتقان عميق، ويرغب في إسقاط هذا النظام، لا بدافع مؤامرة خارجية، بل نتيجة عقود من القمع والإفقار وانسداد الأفق السياسي.
إلى الدول التي ترى أن الاحتجاجات الإيرانية مجرّد بروباغندا صهيونية، وأن سقوط النظام سيصبّ في مصلحة الصهاينة، لا بد من قول الحقيقة بوضوح: الاحتجاجات شعبية خالصة، حتى وإن تقاطعت – كما هو حال كل تحوّل تاريخي كبير – مع مصالح أطراف أخرى. فالتقاطع لا يلغي الجوهر، ولا يسقط حق الشعوب في الثورة على الطغيان.
والأَولى بهذه الدول، بدل الاكتفاء بالتخويف من «الخطر الصهيوني»، أن تتخذ إجراءات جدّية وملموسة من طرفها لمواجهة هذا الخطر، لا أن تجعل من الشعب الإيراني درعًا بشريًا لمعادلاتها، ولا رهينة لمخاوفها الاستراتيجية.
السقوط قادم… والسؤال عن إدارة ما بعده
الحقيقة التي يجري إنكارها أو تأجيل الاعتراف بها هي أن النظام الإيراني إلى زوال، عاجلًا أم آجلًا. والسؤال الجدي ليس: هل يسقط النظام؟ بل: كيف يُدار هذا السقوط؟ ومن يملأ الفراغ؟
من هنا، فإن المسؤولية التاريخية تفرض على الدول العربية أن تبادر، اليوم لا غدًا، إلى بناء تحالفات حقيقية مع قوى معارضة ديمقراطية إيرانية متقاربة معها في الرؤية والمصالح، وأن تدعم كتلًا سياسية واضحة تلتزم بالحفاظ على أمن المنطقة وتوازنها، وتعمل على انتقال منضبط يمنع الفوضى، ويصون المصالح المشتركة، ويؤمّن الاستقرار الإقليمي.
كما أن على الإسلاميين، والمفكرين، والمؤثرين الحريصين فعلًا على مصلحة الأمة، أن ينتقلوا من دائرة التحليل والتخويف من المآلات إلى دائرة الفعل والمسؤولية، وذلك عبر مطالبة دولهم بخطوات عملية وجريئة تحمي الأمة وتصون مصالحها الاستراتيجية.
خلاصة الموقف
الوقوف ضد ثورة الشعب الإيراني ليس موقفًا واقعيًا ولا عقلانيًا، بل تعبير صريح عن أنانية فكرية تقدّس الاستقرار الزائف، وتخشى التغيير أكثر مما تخشى الطغيان.
أما الاستمرار في التعامل مع النظام الإيراني وكأنه «الحصن الأخير للأمة»، فليس سوى وهمٍ خطير؛ لا يمنع الانفجار بل يؤجّله، ولا يحمي المنطقة بل يراكم أزماتها، فيما تدفع الشعوب وحدها الثمن.
فالحرية لا تتجزأ،
وكرامة الشعوب لا تُقايَض،
ومن يبرّر الاستبداد، أيًّا كان شعاره، يشارك في إدامة المأساة لا في منعها.

كتب عادل اسماعيل: ما بعد نظام الملالي: لماذا يجب الاستعداد لإدارة السقوط بدل إنكاره؟

عادل اسماعيل
·4 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب عادل اسماعيل: ما بعد نظام الملالي: لماذا يجب الاستعداد لإدارة السقوط بدل إنكاره؟

عادل اسماعيل
·4 د قراءة
تم نسخ الرابط
ما بعد نظام الملالي: لماذا يجب الاستعداد لإدارة السقوط بدل إنكاره؟
حين تُبرَّر الديكتاتورية باسم الاستقرار ومصلحة الأمة
يرفع كثيرٌ من المثقفين العرب، في خطابهم النظري، شعارات الحرية والكرامة ومناهضة الاستبداد، لكنهم يسقطون هذه الشعارات عند أول اختبار عملي. ويتجلّى هذا السقوط بوضوح في موقفهم من الثورة الشعبية الجارية في إيران؛ إذ يصطفّون ضدها لا دفاعًا عن مبدأ، بل خوفًا على «استقرار المنطقة»، وكأن كرامة الشعوب وحقها في الخبز والحرية يمكن تأجيلهما إلى أجلٍ غير مسمّى.
لا يجادل هؤلاء في الطبيعة القمعية للنظام الإيراني، لكنهم يبرّرون استمراره بحجج باتت مألوفة: الثورة مغامرة غير محسوبة، وسقوط النظام قد يفتح أبواب الفوضى والحروب، والبديل المحتمل مجهول، وربما أكثر ارتهانًا للغرب أو للصهيونية. وهكذا تُختزل إرادة شعبٍ كامل في سيناريوهات تخويف نظرية، بينما يُطلب من الملايين الصبر على القمع باعتباره «أخفّ الضررين».
المعيار المغيَّب: إرادة الشعوب لا رغبات القوى الكبرى
المعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه ليس: ماذا تريد أميركا أو ترامب أو الغرب، بل طبيعة النظام نفسه: هل يحظى بقبول شعبي حقيقي أم لا؟
فالملايين التي يُخرجها النظام الإيراني في مسيرات منظّمة لا تعبّر عن إرادة الشعب، بل عن إرادة السلطة وأجهزتها، في حين أن المتظاهرين الذين ينزلون إلى الشارع، رغم الرصاص والسجون، هم التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية.
أما حجة «التدخل الغربي» فهي انتقائية مكشوفة؛ فقد طالب أوباما الأسد بالتنحي فورًا، فهل تنحّى؟ لم يفعل. وقال قادة الغرب لمبارك إن عليه الرحيل، فهل دافع عنه أنصار «الممانعة» بحجة التدخل الأجنبي؟ بالطبع لا. فلماذا تُستحضَر هذه الحجة فقط عندما يتعلّق الأمر بالنظام الإيراني؟
كما أن الادعاء بأن النظام الإيراني يتمتع بشعبية واسعة لا يصمد أمام الوقائع؛ فلو كان واثقًا من شرعيته، لما احتاج إلى عسكرة الشارع، ولا إلى استعراضات جماهيرية قسرية، ولا إلى هذا المستوى من القمع. فالأنظمة الواثقة من شعوبها لا تخشى الناس.
أنانية المثقف: حين يُلغى الإنسان باسم الجغرافيا
للأسف، لا تهمّ كثيرًا من هؤلاء معاناة الشعب الإيراني تحت نظام قمعي دموي، ولا تهمّهم معاناة العراقيين واللبنانيين واليمنيين الذين دفعوا ثمن المشروع الطائفي التوسعي، ولا مأساة السوريين الذين وقف هذا النظام ضد أحلامهم في الحرية والكرامة.
ما يهمّهم فقط هو بقاء «إيران القوّة» كما تُسوَّق في الخطاب الدعائي، ولو على حساب الشعوب. يبتلعون أكاذيب «الجمهورية الإسلامية» بلا مساءلة، كأنها كيان منزَّه عن الكذب، رغم أن سجلّها في القمع الداخلي والتخريب الخارجي صار أوضح من أن يُنكر.
وتحت يافطة «مصلحة الأمة» يذهب بعضهم إلى حدّ تبرير بقاء النظام الإيراني، رغم جرائمه، باعتباره «أخفّ الضررين». وهنا يبلغ الخطاب ذروته في التناقض الأخلاقي؛ فالأمة لا تُحمى بسحق الشعوب، ولا تُصان بتحويل المظلومين إلى كبش فداء لمعادلات الدول ومخاوفها.
هل النظام الإيراني هو «الحصن الأخير»؟
لا شكّ أن كثيرًا من أصحاب الرأي «المعتدل» في دول الجوار ينطلقون، في مقاربتهم لما يجري في إيران، من اعتبارات المصلحة والأمن القومي لبلدانهم، وهو حقّ مشروع لا يُنكر. وهم يرون أن نظام الملالي، بكل مساوئه، يبقى أقلّ خطرًا من بديلٍ مجهول قد يكون أكثر ارتهانًا للغرب أو للصهيونية.
غير أن هذا التقدير، مهما حسنت نواياه، يتجاهل حقيقة صارخة: نحن أمام نظام فاسد، طاغية، مستبد، فقد شرعيته الشعبية. فالشعب الإيراني، في معظمه، يعيش حالة احتقان عميق، ويرغب في إسقاط هذا النظام، لا بدافع مؤامرة خارجية، بل نتيجة عقود من القمع والإفقار وانسداد الأفق السياسي.
إلى الدول التي ترى أن الاحتجاجات الإيرانية مجرّد بروباغندا صهيونية، وأن سقوط النظام سيصبّ في مصلحة الصهاينة، لا بد من قول الحقيقة بوضوح: الاحتجاجات شعبية خالصة، حتى وإن تقاطعت – كما هو حال كل تحوّل تاريخي كبير – مع مصالح أطراف أخرى. فالتقاطع لا يلغي الجوهر، ولا يسقط حق الشعوب في الثورة على الطغيان.
والأَولى بهذه الدول، بدل الاكتفاء بالتخويف من «الخطر الصهيوني»، أن تتخذ إجراءات جدّية وملموسة من طرفها لمواجهة هذا الخطر، لا أن تجعل من الشعب الإيراني درعًا بشريًا لمعادلاتها، ولا رهينة لمخاوفها الاستراتيجية.
السقوط قادم… والسؤال عن إدارة ما بعده
الحقيقة التي يجري إنكارها أو تأجيل الاعتراف بها هي أن النظام الإيراني إلى زوال، عاجلًا أم آجلًا. والسؤال الجدي ليس: هل يسقط النظام؟ بل: كيف يُدار هذا السقوط؟ ومن يملأ الفراغ؟
من هنا، فإن المسؤولية التاريخية تفرض على الدول العربية أن تبادر، اليوم لا غدًا، إلى بناء تحالفات حقيقية مع قوى معارضة ديمقراطية إيرانية متقاربة معها في الرؤية والمصالح، وأن تدعم كتلًا سياسية واضحة تلتزم بالحفاظ على أمن المنطقة وتوازنها، وتعمل على انتقال منضبط يمنع الفوضى، ويصون المصالح المشتركة، ويؤمّن الاستقرار الإقليمي.
كما أن على الإسلاميين، والمفكرين، والمؤثرين الحريصين فعلًا على مصلحة الأمة، أن ينتقلوا من دائرة التحليل والتخويف من المآلات إلى دائرة الفعل والمسؤولية، وذلك عبر مطالبة دولهم بخطوات عملية وجريئة تحمي الأمة وتصون مصالحها الاستراتيجية.
خلاصة الموقف
الوقوف ضد ثورة الشعب الإيراني ليس موقفًا واقعيًا ولا عقلانيًا، بل تعبير صريح عن أنانية فكرية تقدّس الاستقرار الزائف، وتخشى التغيير أكثر مما تخشى الطغيان.
أما الاستمرار في التعامل مع النظام الإيراني وكأنه «الحصن الأخير للأمة»، فليس سوى وهمٍ خطير؛ لا يمنع الانفجار بل يؤجّله، ولا يحمي المنطقة بل يراكم أزماتها، فيما تدفع الشعوب وحدها الثمن.
فالحرية لا تتجزأ،
وكرامة الشعوب لا تُقايَض،
ومن يبرّر الاستبداد، أيًّا كان شعاره، يشارك في إدامة المأساة لا في منعها.








