هل الدين أفيون الشعوب؟
يصحّ القول إنّ الدين قد يتحوّل إلى «أفيونٍ للشعوب» حين يُفرَّغ من مقاصده التحريرية ويُعاد توظيفه أداةً للوصاية وتعطيل العقل. ويتجلّى ذلك بوضوح في شيوع مقولةٍ يتداولها بعض المؤمنين السطحيين، فحواها أنّ «الرادّ على الفقيه كالرادّ على الله ورسوله والإمام الوصيّ الإلهي، وأنّ هذا الفعل في منزلة الشرك». وقد روّج لهذه المقولة فقهاء ومتفقّهون داخل البيئة الشيعية، حتى استقرّ في وعي المقلِّد أنّ الفقيه نائبٌ كامل الصلاحيات عن النبي ﷺ والإمام الوصيّ، وأنّ فتاواه تمثّل أحكام الله ذاتها، فتُنَزَّل مخالفتها منزلة معصية الله، ويُستحضر الوعيد الأخروي سيفًا مسلّطًا على الضمير.
إنّ هذه المقولة، في تقديرنا، تمثّل غلوًّا محرَّمًا عقلًا وشرعًا، ولا وزن لها عند أهل العلم والبصيرة والحكمة. وهي من أخطر ما يهدّد سلامة الدين ودنيا المؤمن معًا، لأنّها تُلبس الاجتهاد البشري لباس العصمة، وتحوّل الفقه من جهدٍ معرفي قابل للخطأ والصواب إلى سلطةٍ مقدّسة لا تُراجع. والتمييز هنا جوهري: فالفقيه يُصيب ويُخطئ في فتواه، أمّا النبي أو الإمام الوصيّ الإلهي فمعصوم في تبليغه وحكمه.
وقد يُقال إنّ الفقيه إنّما ينقل فتاوى النبي والأئمة، وبناءً عليه تجب طاعته كطاعتهم. غير أنّ هذا التعليل لا يصمد أمام النقد العلمي؛ إذ إنّ نقل الفتوى ذاته فعلٌ بشريّ قابل للخطأ، فضلًا عن أنّ كثيرًا من فتاوى الفقهاء تقوم على الاجتهاد الظنّي، والاجتهاد—بحكم تعريفه—لا يُنتج إلّا أحكامًا ظنّية. ومن ثمّ، فإنّ للمكلّف حقًّا أصيلًا وبديهيًّا في رفض كلّ فتوى ظنّية لا يطمئنّ عقله إلى دليلها.
ويتأكّد هذا الحقّ بصورةٍ أوضح في المجال السياسي؛ فالفقيه، حين يُدلي برأيٍ أو يتّخذ موقفًا سياسيًّا، لا يخرج عن كونه واحدًا من عباد الله، يُصيب ويُخطئ، ولا يملك تفويضًا إلهيًّا يعلو على النقد والمساءلة. وعليه، فإنّ ردّ رأيه السياسي أو مخالفته فيه ليس خروجًا على الدين ولا تمرّدًا على الله، بل ممارسة مشروعة للعقل والمسؤولية.
إنّ الدين لا يكون أفيونًا إلّا حين يُختزل في الطاعة العمياء، ويُستبدل الإيمان الواعي بالامتثال القسري. أمّا حين يُستعاد بوصفه دعوةً لتحرير الإنسان، وإعمال العقل، ومقاومةي التقديس الزائف، فإنّه يستعيد جوهره الرسالي، ويغدو قوّةً للنهضة لا أداةً للتخدير.
هل الدين أفيون الشعوب؟
يصحّ القول إنّ الدين قد يتحوّل إلى «أفيونٍ للشعوب» حين يُفرَّغ من مقاصده التحريرية ويُعاد توظيفه أداةً للوصاية وتعطيل العقل. ويتجلّى ذلك بوضوح في شيوع مقولةٍ يتداولها بعض المؤمنين السطحيين، فحواها أنّ «الرادّ على الفقيه كالرادّ على الله ورسوله والإمام الوصيّ الإلهي، وأنّ هذا الفعل في منزلة الشرك». وقد روّج لهذه المقولة فقهاء ومتفقّهون داخل البيئة الشيعية، حتى استقرّ في وعي المقلِّد أنّ الفقيه نائبٌ كامل الصلاحيات عن النبي ﷺ والإمام الوصيّ، وأنّ فتاواه تمثّل أحكام الله ذاتها، فتُنَزَّل مخالفتها منزلة معصية الله، ويُستحضر الوعيد الأخروي سيفًا مسلّطًا على الضمير.
إنّ هذه المقولة، في تقديرنا، تمثّل غلوًّا محرَّمًا عقلًا وشرعًا، ولا وزن لها عند أهل العلم والبصيرة والحكمة. وهي من أخطر ما يهدّد سلامة الدين ودنيا المؤمن معًا، لأنّها تُلبس الاجتهاد البشري لباس العصمة، وتحوّل الفقه من جهدٍ معرفي قابل للخطأ والصواب إلى سلطةٍ مقدّسة لا تُراجع. والتمييز هنا جوهري: فالفقيه يُصيب ويُخطئ في فتواه، أمّا النبي أو الإمام الوصيّ الإلهي فمعصوم في تبليغه وحكمه.
وقد يُقال إنّ الفقيه إنّما ينقل فتاوى النبي والأئمة، وبناءً عليه تجب طاعته كطاعتهم. غير أنّ هذا التعليل لا يصمد أمام النقد العلمي؛ إذ إنّ نقل الفتوى ذاته فعلٌ بشريّ قابل للخطأ، فضلًا عن أنّ كثيرًا من فتاوى الفقهاء تقوم على الاجتهاد الظنّي، والاجتهاد—بحكم تعريفه—لا يُنتج إلّا أحكامًا ظنّية. ومن ثمّ، فإنّ للمكلّف حقًّا أصيلًا وبديهيًّا في رفض كلّ فتوى ظنّية لا يطمئنّ عقله إلى دليلها.
ويتأكّد هذا الحقّ بصورةٍ أوضح في المجال السياسي؛ فالفقيه، حين يُدلي برأيٍ أو يتّخذ موقفًا سياسيًّا، لا يخرج عن كونه واحدًا من عباد الله، يُصيب ويُخطئ، ولا يملك تفويضًا إلهيًّا يعلو على النقد والمساءلة. وعليه، فإنّ ردّ رأيه السياسي أو مخالفته فيه ليس خروجًا على الدين ولا تمرّدًا على الله، بل ممارسة مشروعة للعقل والمسؤولية.
إنّ الدين لا يكون أفيونًا إلّا حين يُختزل في الطاعة العمياء، ويُستبدل الإيمان الواعي بالامتثال القسري. أمّا حين يُستعاد بوصفه دعوةً لتحرير الإنسان، وإعمال العقل، ومقاومةي التقديس الزائف، فإنّه يستعيد جوهره الرسالي، ويغدو قوّةً للنهضة لا أداةً للتخدير.










