محمود شعيب كاتب وناشط سياسي
تلطّي حزب إيران خلف الطائفة الشيعية: بين الادعاء والواقع
من أخطر ما أصاب الحياة السياسية في لبنان والمنطقة تحويلُ الطوائف من مكوّنات اجتماعية وثقافية إلى دروع بشرية وسياسية تُستعمل لحماية مشاريع سلطوية لا تمثلها فعليًا. ويبرز في هذا السياق ما يمكن تسميته بـ«تلطّي حزب إيران خلف الطائفة الشيعية»، في محاولة مستمرة لاحتكار تمثيلها وادّعاء التحدث باسمها، رغم أن الوقائع والأرقام تشير إلى غير ذلك.
الطائفة الشيعية في لبنان، كما سائر الطوائف، تضم تنوعًا واسعًا في الآراء والانتماءات والتوجهات السياسية. هي طائفة مواطنين، لا حزبًا سياسيًا، ولا كتلة صمّاء تتحرك بإشارة واحدة. ومع ذلك، يصرّ الحزب المرتبط عضويًا بالمشروع الإيراني على تقديم نفسه ممثلًا حصريًا للشيعة، مستخدمًا خطاب الحماية والدفاع لتبرير سيطرته السياسية على الطائفة بأكملها.
الادعاء بأن هذا الحزب يمثل مجمل الشيعة يتناقض مع الواقع، إذ تشير التقديرات إلى أنه، ومع رواتبه الشهرية وكراتين المونة، لا يحظى بتأييد أكثر من نحو 30% منهم، كما أن الرفض الصامت والمعارضة العلنية التي تُقمع وتُهمَّش وتُخوَّن تمثل 55%. وإن المشكلة لا تكمن فقط في تضخيم حجم التمثيل للحزب، بل في تحويل أي نقد سياسي له إلى هجوم على الطائفة بأكملها، وهي معادلة خطيرة ومقصودة.
هذا الأسلوب يعتقد الحزب أنه يحقق له مكاسب متعددة؛ فهو يكمّم أفواه المعترضين من داخل الطائفة عبر تخوينهم أو اتهامهم بخدمة «أعداء الشيعة»، ويمنع بقية اللبنانيين من توجيه نقد مشروع لسلوكه السياسي خوفًا من الاتهام بالطائفية. وهكذا تتحول الطائفة إلى رهينة، يُستعمل اسمها ودم أبنائها وحرمان مناطقها وقودًا لمشروع إقليمي لا يخدم الدولة اللبنانية ولا مصالح الشيعة أنفسهم.
الأخطر أن هذا التلطّي يساهم في تعميق الانقسام الطائفي، ويمنع قيام معارضة وطنية عابرة للطوائف، لأن أي صراع سياسي يُعاد تفسيره كصراع مذهبي. وفي النهاية، يدفع الشيعة ثمنًا مضاعفًا: تهميش داخل الدولة، وعزلة عربية ودولية، وانسداد أفق اقتصادي واجتماعي، بينما تُصادَر قدرتهم على التعبير الحر عن خياراتهم.
الفصل بين الطائفة والحزب ليس استهدافًا سياسيًا للشيعة، بل هو شرط أساسي لحمايتهم كمواطنين أحرار. فمن حق الشيعة، كما غيرهم، أن يختلفوا، وأن يعارضوا، وأن يختاروا تمثيلهم السياسي من دون رشوة الراتب الشهري ووصاية السلاح أو قداسة مزيفة. ومن حق اللبنانيين أن ينتقدوا أي زعيم أو حزب سياسي، مهما كان، من دون أن يُتهموا بالعداء لطائفة بأكملها.
إن تحرير الطوائف من الاستغلال السياسي خطوة ضرورية على طريق بناء دولة حقيقية، دولة لا تُحكم بالخوف ولا بالادعاء، بل بالمحاسبة والتمثيل الفعلي واحترام التعدد داخل كل مكوّن من مكوناتها.

كتب محمود شعيب: تلطّي حزب إيران خلف الطائفة الشيعية: بين الادعاء والواقع
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب محمود شعيب: تلطّي حزب إيران خلف الطائفة الشيعية: بين الادعاء والواقع
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
محمود شعيب كاتب وناشط سياسي
تلطّي حزب إيران خلف الطائفة الشيعية: بين الادعاء والواقع
من أخطر ما أصاب الحياة السياسية في لبنان والمنطقة تحويلُ الطوائف من مكوّنات اجتماعية وثقافية إلى دروع بشرية وسياسية تُستعمل لحماية مشاريع سلطوية لا تمثلها فعليًا. ويبرز في هذا السياق ما يمكن تسميته بـ«تلطّي حزب إيران خلف الطائفة الشيعية»، في محاولة مستمرة لاحتكار تمثيلها وادّعاء التحدث باسمها، رغم أن الوقائع والأرقام تشير إلى غير ذلك.
الطائفة الشيعية في لبنان، كما سائر الطوائف، تضم تنوعًا واسعًا في الآراء والانتماءات والتوجهات السياسية. هي طائفة مواطنين، لا حزبًا سياسيًا، ولا كتلة صمّاء تتحرك بإشارة واحدة. ومع ذلك، يصرّ الحزب المرتبط عضويًا بالمشروع الإيراني على تقديم نفسه ممثلًا حصريًا للشيعة، مستخدمًا خطاب الحماية والدفاع لتبرير سيطرته السياسية على الطائفة بأكملها.
الادعاء بأن هذا الحزب يمثل مجمل الشيعة يتناقض مع الواقع، إذ تشير التقديرات إلى أنه، ومع رواتبه الشهرية وكراتين المونة، لا يحظى بتأييد أكثر من نحو 30% منهم، كما أن الرفض الصامت والمعارضة العلنية التي تُقمع وتُهمَّش وتُخوَّن تمثل 55%. وإن المشكلة لا تكمن فقط في تضخيم حجم التمثيل للحزب، بل في تحويل أي نقد سياسي له إلى هجوم على الطائفة بأكملها، وهي معادلة خطيرة ومقصودة.
هذا الأسلوب يعتقد الحزب أنه يحقق له مكاسب متعددة؛ فهو يكمّم أفواه المعترضين من داخل الطائفة عبر تخوينهم أو اتهامهم بخدمة «أعداء الشيعة»، ويمنع بقية اللبنانيين من توجيه نقد مشروع لسلوكه السياسي خوفًا من الاتهام بالطائفية. وهكذا تتحول الطائفة إلى رهينة، يُستعمل اسمها ودم أبنائها وحرمان مناطقها وقودًا لمشروع إقليمي لا يخدم الدولة اللبنانية ولا مصالح الشيعة أنفسهم.
الأخطر أن هذا التلطّي يساهم في تعميق الانقسام الطائفي، ويمنع قيام معارضة وطنية عابرة للطوائف، لأن أي صراع سياسي يُعاد تفسيره كصراع مذهبي. وفي النهاية، يدفع الشيعة ثمنًا مضاعفًا: تهميش داخل الدولة، وعزلة عربية ودولية، وانسداد أفق اقتصادي واجتماعي، بينما تُصادَر قدرتهم على التعبير الحر عن خياراتهم.
الفصل بين الطائفة والحزب ليس استهدافًا سياسيًا للشيعة، بل هو شرط أساسي لحمايتهم كمواطنين أحرار. فمن حق الشيعة، كما غيرهم، أن يختلفوا، وأن يعارضوا، وأن يختاروا تمثيلهم السياسي من دون رشوة الراتب الشهري ووصاية السلاح أو قداسة مزيفة. ومن حق اللبنانيين أن ينتقدوا أي زعيم أو حزب سياسي، مهما كان، من دون أن يُتهموا بالعداء لطائفة بأكملها.
إن تحرير الطوائف من الاستغلال السياسي خطوة ضرورية على طريق بناء دولة حقيقية، دولة لا تُحكم بالخوف ولا بالادعاء، بل بالمحاسبة والتمثيل الفعلي واحترام التعدد داخل كل مكوّن من مكوناتها.







