محمود شعيب كاتب وناشط سياسي
جنوب لبنان بين تقلبات الولاء وثقل الجغرافيا السياسية
ليس من باب الشفقة العاطفية، بل من باب القراءة السياسية الصريحة، يمكن القول إن أبناء جنوب لبنان كانوا على الدوام في صلب العواصف الإقليمية، تُلقى على عاتقهم أعباء تفوق قدرتهم، ويُدفعون دفعاً إلى خيارات لم يصنعوا شروطها كاملة. إنهم في قلب الجغرافيا المشتعلة، حيث تتبدّل التحالفات وتتغيّر الرايات، فيما يبقى الإنسان الجنوبي وحيداً في مواجهة النتائج.
في مراحل معيّنة، احتضنت البيئة الجنوبية الفصائل الفلسطينية، وانخرط كثيرون في صفوفها تحت شعارات التحرير والمقاومة. ثم، في منعطف آخر، تغيّرت موازين القوى، فدخل الجيش الإسرائيلي إلى القرى والبلدات، ووجد من يتعامل معه أو ينخرط في تشكيلات مرتبطة به، كما حصل مع ميليشيات ما عُرف بجيش لبنان الجنوبي. وهكذا وجد أبناء المنطقة أنفسهم منقسمين، بعضهم يقاتل بعضاً، في مشهد تختلط فيه القناعات بالخوف، والإيديولوجيا بالحسابات اليومية للبقاء.
لاحقاً، ومع صعود النفوذ الإيراني عبر أذرعه المحلية، انتقلت شريحة واسعة إلى مشروع قتالي جديد، رُفع تحت عنوان المقاومة أيضاً، لكنه أدخل الجنوب في دورة أخرى من المواجهة المفتوحة، بما حملته من دمار وتهجير وخسائر بشرية ومادية جسيمة. ومرة جديدة، كانت الأرض الجنوبية ساحة رسائل إقليمية، وكان سكانها وقود الاشتباك.
وفي كل مرة، حين تتراكم الكلفة وتتعاظم الأضرار، يُعاد توجيه الأنظار إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها طلباً للإعمار والحماية والتعويض، رغم أن الخطاب السياسي السائد في مراحل سابقة كان يقوم على تخوين هذه الدولة أو اتهامها بالعجز والتقصير. إنها حلقة مفرغة بين رفض السلطة والارتهان لها، بين منطق الدويلة والعودة إلى كنف الدولة عند الشدائد.
المعضلة الأساسية ليست في تقلب المزاج الشعبي بقدر ما هي في هشاشة البنية السياسية التي جعلت الجنوب ساحة مستباحة للمشاريع المتنافسة. فالقرار المصيري لم يكن في كثير من الأحيان محلياً خالصاً، بل نتاج صراعات أوسع من حدود القرى والبلدات. وهكذا يتوارث الأبناء إرثاً مثقلاً بالتجارب المريرة، في بيئة تُعيد إنتاج الاصطفافات نفسها بأسماء وشعارات مختلفة.
الجنوب ليس قدراً محتوماً للتقلّب، لكنه ظل حتى الآن أسير معادلة إقليمية أكبر منه. والسؤال الحقيقي ليس عمّن سيستقبله في المرحلة المقبلة، بل متى يمتلك قراره الوطني المستقل، فيتحوّل من ساحة صراع إلى مساحة استقرار، ومن وقود للمشاريع الخارجية إلى شريك كامل في مشروع دولة عادلة تحمي جميع أبنائها دون استثناء.

كتب محمود شعيب: جنوب لبنان بين تقلبات الولاء وثقل الجغرافيا السياسية
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب محمود شعيب: جنوب لبنان بين تقلبات الولاء وثقل الجغرافيا السياسية
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
محمود شعيب كاتب وناشط سياسي
جنوب لبنان بين تقلبات الولاء وثقل الجغرافيا السياسية
ليس من باب الشفقة العاطفية، بل من باب القراءة السياسية الصريحة، يمكن القول إن أبناء جنوب لبنان كانوا على الدوام في صلب العواصف الإقليمية، تُلقى على عاتقهم أعباء تفوق قدرتهم، ويُدفعون دفعاً إلى خيارات لم يصنعوا شروطها كاملة. إنهم في قلب الجغرافيا المشتعلة، حيث تتبدّل التحالفات وتتغيّر الرايات، فيما يبقى الإنسان الجنوبي وحيداً في مواجهة النتائج.
في مراحل معيّنة، احتضنت البيئة الجنوبية الفصائل الفلسطينية، وانخرط كثيرون في صفوفها تحت شعارات التحرير والمقاومة. ثم، في منعطف آخر، تغيّرت موازين القوى، فدخل الجيش الإسرائيلي إلى القرى والبلدات، ووجد من يتعامل معه أو ينخرط في تشكيلات مرتبطة به، كما حصل مع ميليشيات ما عُرف بجيش لبنان الجنوبي. وهكذا وجد أبناء المنطقة أنفسهم منقسمين، بعضهم يقاتل بعضاً، في مشهد تختلط فيه القناعات بالخوف، والإيديولوجيا بالحسابات اليومية للبقاء.
لاحقاً، ومع صعود النفوذ الإيراني عبر أذرعه المحلية، انتقلت شريحة واسعة إلى مشروع قتالي جديد، رُفع تحت عنوان المقاومة أيضاً، لكنه أدخل الجنوب في دورة أخرى من المواجهة المفتوحة، بما حملته من دمار وتهجير وخسائر بشرية ومادية جسيمة. ومرة جديدة، كانت الأرض الجنوبية ساحة رسائل إقليمية، وكان سكانها وقود الاشتباك.
وفي كل مرة، حين تتراكم الكلفة وتتعاظم الأضرار، يُعاد توجيه الأنظار إلى الدولة اللبنانية ومؤسساتها طلباً للإعمار والحماية والتعويض، رغم أن الخطاب السياسي السائد في مراحل سابقة كان يقوم على تخوين هذه الدولة أو اتهامها بالعجز والتقصير. إنها حلقة مفرغة بين رفض السلطة والارتهان لها، بين منطق الدويلة والعودة إلى كنف الدولة عند الشدائد.
المعضلة الأساسية ليست في تقلب المزاج الشعبي بقدر ما هي في هشاشة البنية السياسية التي جعلت الجنوب ساحة مستباحة للمشاريع المتنافسة. فالقرار المصيري لم يكن في كثير من الأحيان محلياً خالصاً، بل نتاج صراعات أوسع من حدود القرى والبلدات. وهكذا يتوارث الأبناء إرثاً مثقلاً بالتجارب المريرة، في بيئة تُعيد إنتاج الاصطفافات نفسها بأسماء وشعارات مختلفة.
الجنوب ليس قدراً محتوماً للتقلّب، لكنه ظل حتى الآن أسير معادلة إقليمية أكبر منه. والسؤال الحقيقي ليس عمّن سيستقبله في المرحلة المقبلة، بل متى يمتلك قراره الوطني المستقل، فيتحوّل من ساحة صراع إلى مساحة استقرار، ومن وقود للمشاريع الخارجية إلى شريك كامل في مشروع دولة عادلة تحمي جميع أبنائها دون استثناء.







