العفو العام في لبنان: حين يُترك المظلوم خلف القضبان ويخرج التاجر والعميل
في كل مرة يُفتح فيها ملف العفو العام في لبنان، يعود السؤال نفسه إلى الشارع اللبناني، وخصوصاً داخل البيئات التي تعتبر نفسها الأكثر تضرراً من هذا الملف: هل الهدف فعلاً رفع الظلم عن أشخاص دفعتهم ظروف المرحلة السابقة إلى السجون والملاحقات، أم أن القضية تحوّلت إلى مساحة جديدة للتسويات السياسية وتبادل المصالح؟
في عام 2018، تقدّمت كتلة المستقبل باقتراح قانون عفو عام كان يُفترض أن يعالج ملفات موقوفين ومطلوبين ارتبطت قضاياهم بمرحلة الانقسام الحاد في لبنان والمنطقة، وخصوصاً بعد الحرب السورية وما رافقها من توترات أمنية وسياسية. يومها، كان جزء كبير من الشارع السني يعتبر أن القانون يشكّل فرصة حقيقية لرفع المظلومية عن عشرات الشبان الذين دفعوا أثماناً كبيرة بسبب مواقف سياسية أو اندفاعات مرتبطة بمناخ تلك المرحلة.
لكن اللافت حينها أن رئيس الحكومة السابق سعد الحريري رفض علناً إدخال ملف الموقوفين المظلومين في بازار المفاوضات السياسية، ورفض وضعهم في الخانة نفسها مع أصحاب الصفقات أو المطلوبين بجرائم أخرى. كان موقفه واضحاً بأن قضية الموقوفين الذين يعتبرهم الشارع أصحاب مظلومية لا يجب أن تتحول إلى مادة مساومة مقابل ملفات أخرى لا تشبههم لا قانونياً ولا أخلاقياً.
واليوم، يعود النقاش من جديد، لكن بطريقة تثير غضباً أكبر. فبدلاً من أن يكون العفو موجهاً بشكل واضح نحو من يعتبرهم الناس ضحايا مرحلة سياسية وأمنية معقدة، تتحدث الطروحات عن صيغ فضفاضة قد تشمل تجار مخدرات أو ملفات خطيرة أو حتى ما يُطرح تحت عنوان “المبعدين”، في تسمية يعتبر كثيرون أنها تحمل أبواباً مبطنة لتمرير تسويات لا علاقة لها بفكرة رفع الظلم الحقيقي.
وفي المقابل، يبقى الموقوفون الإسلاميون خارج الصورة، رغم أن أعدادهم لا تتجاوز العشرات، وليسوا كما يتم تصويرهم في الخطابات السياسية والإعلامية. كثير منهم أمضى سنوات طويلة خلف القضبان أو تحت الملاحقة، وبعضهم ينتظر منذ سنوات محاكمات عادلة أو إعادة نظر حقيقية في ملفات شابتها شبهات سياسية واضحة.
ومن هنا يبدأ السؤال الأخطر: إذا كان هؤلاء لن يشملهم العفو، فهل ستُعاد إذاً مراجعة الملفات والمحاكمات القديمة التي بُنيت عليها إدانات كثيرة؟ وهل سيتم فتح النقاش حول أداء المحكمة العسكرية في تلك المرحلة، وخصوصاً دور رئيس المحكمة العسكرية السابق منير شحادة الذي يتهمه كثيرون باتخاذ قرارات لم تكن دائماً قائمة على معايير العدالة بقدر ما كانت مرتبطة بالاصطفافات السياسية السائدة آنذاك؟
هذا السؤال لم يعد محصوراً بعائلات الموقوفين فقط، بل أصبح مطروحاً داخل الشارع اللبناني نفسه. فكيف يمكن الحديث عن عدالة حقيقية فيما لا تزال شريحة واسعة تعتبر أن المحكمة العسكرية خلال سنوات معينة كانت تتعامل بازدواجية واضحة، وأن بعض الأحكام تأثرت بالمناخ السياسي والانقسام الداخلي أكثر مما تأثرت بالوقائع القانونية المجردة؟
الأكثر حساسية أن جزءاً كبيراً من فقدان الثقة بهذه الأحكام مرتبط أيضاً بقناعة راسخة لدى كثيرين بأن ميزان التعامل داخل المحكمة العسكرية لم يكن واحداً بين جميع الأطراف، وأن ملفات مرتبطة بـ حزب الله كانت تُقارب بطريقة مختلفة تماماً عن ملفات موقوفين محسوبين على البيئة السنية أو على مناصري الثورة السورية.
ومع اقتراب جلسة الخميس، ترتفع علامات الاستفهام حول مصير القانون المطروح. هل سيمر فعلاً؟ وهل ستشارك الكتل السنية في تأمين الغطاء السياسي له رغم شعور جزء كبير من جمهورها بأن القانون لا يحقق العدالة المطلوبة؟ أم أن هذه الكتل ستجد نفسها أمام ضغط شعبي يرفض أن يكون “العفو العام” مجرد تسوية تفتح الأبواب أمام أصحاب النفوذ والجرائم المنظمة فيما يبقى أصحاب المظلومية الحقيقية خلف القضبان؟
لبنان اليوم لا يحتاج إلى عفو يُستخدم لتدوير الزوايا السياسية، بل إلى عدالة واضحة وصريحة. عدالة تعترف بأن هناك من ارتكب جرائم خطيرة، وهناك أيضاً من دفع عمره ثمناً لمرحلة سياسية مشتعلة وأحكام فقد كثيرون ثقتهم بحياديتها. لأن استمرار الظلم تحت عنوان “العفو العام” لن يصنع مصالحة، بل سيُبقي شعور فئات واسعة بأن الدولة لا تنظر إلى مواطنيها بعين واحدة، ولا تطبق العدالة بمعيار واحد













