في عالم الجماعات المسلحة، لا يتساوى المقاتلون في الأجر، ولا تُقاس كلفة استقطابهم بمعيار واحد. من ثلاثين دولاراً شهرياً في اليمن، إلى آلاف الدولارات في ساحات قتال أخرى، تتباين الرواتب تبعاً للجهة التي تدفع، وطبيعة المهمة، والظروف التي تحكم سوق التجنيد. وبين هذه الأرقام، تبرز مفارقة أساسية: كيف تنجح بعض الجماعات في استقطاب عشرات الآلاف من المقاتلين بأجور لا تكاد تكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش؟
تقدّم اليمن أحد أبرز الأمثلة على هذا التفاوت. فبحسب دراسة نشرتها دورية "سنتينل" التابعة لمركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية ويست بوينت الأميركية، في تشرين الأول 2022، جنّدت هيئة التعبئة العامة التابعة لوزارة الدفاع في صنعاء، والخاضعة لسيطرة الحوثيين، نحو 130 ألف شخص من الفئات الأكثر فقراً، وفق تقديرات الباحثين. وتشير الدراسة إلى أن بعض المجندين لم يتقاضوا أكثر من 30 دولاراً شهرياً؛ وهو مبلغ ضئيل، لكنه قد يبدو، في ظل البطالة والفقر المدقع، أفضل من انعدام الدخل تماماً.
غير أن هذه الأجور لا تمثّل قاعدة عامة في عالم الجماعات المسلحة. فكلما انتقلنا من ساحة إلى أخرى، تبدّلت الأرقام، وارتفعت الرواتب إلى أضعاف ما يُدفع في اليمن، كاشفةً عن تفاوت كبير في كلفة استقطاب المقاتلين والاحتفاظ بهم.
حزب الله: بين 500 و700 دولار شهرياً
في أيلول 2025، نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن عناصر في حزب الله أن المقاتل يتقاضى راتباً شهرياً يتراوح بين 500 و700 دولار نقداً. ووفق المقارنة الواردة في التقرير، تتجاوز هذه المبالغ الحد الأدنى للأجور في لبنان، المحدّد عند 312 دولاراً شهرياً.
الحشد الشعبي في العراق: راتب معلن وآخر فعلي
في العراق، قُدّر الراتب الشهري لعناصر الحشد الشعبي بنحو 700 دولار عام 2018، لكن قادة فصائل أفادوا بأن ما يصل إلى المقاتلين فعلياً نادراً ما يتجاوز 400 إلى 425 دولاراً، وفق أرقام أوردتها «عرب نيوز» نقلاً عن وكالة الصحافة الفرنسية.
ويختلف وضع الحشد الشعبي عن الجماعات المسلحة غير الرسمية، إذ أُضفي عليه طابع رسمي منذ عام 2016، وأصبح مقاتلوه يستحقون، بموجب القانون، رواتب مماثلة لرواتب أفراد الجيش العراقي. ومع ذلك، تكشف الفجوة بين الأرقام المقدّرة والمبالغ التي يتلقاها بعض المقاتلين فعلياً عن تعقيدات تتجاوز الراتب المعلن.
فاغنر الروسية: آلاف الدولارات في ساحات القتال
على الطرف الأعلى من سلّم الأجور، تبرز مجموعة فاغنر الروسية. فبحسب ما أوردته وكالة "آر بي سي" الروسية عام 2016، كان الراتب الأساسي للمتعاقد يبدأ من نحو 1180 دولاراً شهرياً، فيما بلغ متوسطه نحو 2200 دولار، وفق ضابط في وزارة الدفاع الروسية.
أما المتعاقدون العاملون في مناطق القتال في سوريا، فتراوحت رواتبهم، في حالات وردت في التقارير، بين 3700 و4400 دولار شهرياً. وأشار مصدر آخر إلى إمكان بلوغ الراتب نحو 7400 دولار، إضافة إلى مكافأة مرتبطة بالعمل في منطقة القتال. وكانت هذه الرواتب تُدفع نقداً، من دون تسجيل رسمي، وفق التقارير نفسها.
لا تكفي مقارنة الرواتب وحدها لفهم قدرة الجماعات المسلحة على تجنيد آلاف المقاتلين، ولا سيما حين تكون الأجور متدنية إلى هذا الحد. فالعامل الاقتصادي، على أهميته، ليس سوى جزء من معادلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها البطالة والفقر مع التعبئة العقائدية، والولاءات المحلية، والضغوط الاجتماعية، وغياب البدائل.
من هنا، لا يمكن التعامل مع المقاتل بوصفه رقماً في جدول رواتب فحسب، كما لا يمكن اختزال قرار حمل السلاح في مقدار ما يتقاضاه صاحبه. فالأجر قد يكون حافزاً مباشراً، لكنه قد يصبح، في بيئة الفقر وانعدام الفرص، وسيلة للاستمرار في الحياة أكثر منه مكسباً بالمعنى التقليدي.
في المحصلة، تكشف الأرقام تفاوتاً واسعاً في كلفة المقاتلين بين جماعة وأخرى، لكنها لا تفسّر وحدها أسباب هذا التفاوت أو نتائجه. وإذا كان بعض المجندين في اليمن يقاتلون مقابل ثلاثين دولاراً شهرياً، فيما يحصل مقاتلون آخرون على آلاف الدولارات، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بمن يدفع أكثر فحسب، بل بكيفية تحويل الحاجة الاقتصادية أو الولاء العقائدي إلى قوة قتالية مستدامة.










