ميزان الحركة الإسلامية بين الشرع والاصطفاف
لا تبدو أزمة الحركة الإسلامية في العالم العربي خطأً سياسيًا عابرًا يمكن تجاوزه بتبدّل الظروف، بل تبدو أعمق من ذلك بكثير: إنها أزمة في ميزان الحكم ذاته. فالمشكلة ليست في تقدير سياسي أخطأ مرة، بل في تكرار الخطأ كلما تغيّر السياق، حتى صار المعيار الذي تُوزن به الأحداث معيارًا متحركًا لا أصل له. وبهذا المعنى، فإن تشرذم الحركة الإسلامية لم يعد مجرد انقسام تنظيمي، بل صار مرآة لتشرذم النظام العربي نفسه، يعكسه ويعيد إنتاجه في مستوى الخطاب الديني والسياسي معًا.
لقد كشفت التحولات الكبرى في الإقليم خلال العقدين الأخيرين عن هذا الاضطراب بوضوح. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وجدت قطاعات واسعة من الحركة الإسلامية نفسها تتقاطع عمليًا مع خطاب «مكافحة الإرهاب»، الذي صاغته الولايات المتحدة وتبنّته الأنظمة العربية. وفي هذا السياق جرى التعامل مع ما سُمّي «الجهاد السني» في أفغانستان والعراق بوصفه تهديدًا ينبغي احتواؤه، لا مقاومةً لاحتلالٍ أجنبي.
ومن هنا لم يكن مستغربًا أن تتعامل بعض هذه التيارات مع غزو أفغانستان سنة 2001، ثم غزو العراق سنة 2003، باعتبارهما مسارًا ممكنًا للتغيير السياسي، تحت لافتة الديمقراطية وإسقاط الأنظمة الاستبدادية. وقد جرى ذلك من دون مساءلة جادة للمعنى الفعلي لاحتلالٍ عسكري أجنبي يُعاد به تشكيل الإقليم وفق موازين القوى الدولية.
غير أن المفارقة الكبرى أن التيارات نفسها باتت اليوم ترى في أنماط أخرى من القتال المرتبط بإيران «مقاومةً مشروعة» ينبغي دعمها والاصطفاف خلفها.
فالقوى التي لم ترَ في القواعد العسكرية الغربية المنتشرة في المنطقة مساسًا حقيقيًا بالسيادة حين كان الخصم هو «الجهاد السني»، أصبحت ترى في هذه القواعد احتلالًا ينبغي مقاومته إذا كان الصراع مع إيران، بل ذهبت إلى حدّ تبرير استهداف دول الخليج بسبب وجود تلك القواعد.
والحروب التي كانت توصف سابقًا بأنها حروب إمبريالية أو رأسمالية، صارت تُقدَّم اليوم بوصفها حروبًا دينية «صليبية» حين تتجه ضد إيران. وكأن طبيعة الحرب لا تُقاس بطبيعتها الفعلية، بل بالجهة التي تقع عليها.
وقد ازداد هذا الاضطراب وضوحًا خلال أحداث الربيع العربي. فالحركة الإسلامية دخلت آنذاك في مواجهة مع أنظمة عربية استبدادية باسم الحرية والديمقراطية، حتى أيّدت تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا سنة 2011 لإسقاط نظام معمر القذافي. كما لم تعترض على إسقاط نظام صدام حسين في العراق ولا نظام محمد عمر في أفغانستان، بدعوى أن التخلص من الاستبداد يفتح الطريق أمام بناء أنظمة سياسية أكثر عدلًا.
لكن هذه الحركة نفسها تدعو اليوم إلى الاصطفاف مع النظام الإيراني بوصفه محورًا للمقاومة، من غير أن تبين بوضوح مناط الحكم الشرعي الذي يوجب على الأمة نصرة نظامٍ ما إذا تعرض لعدوان خارجي.
وهنا يبرز السؤال الذي يكشف جوهر الإشكال:
هل مناط النصرة هو مجرد الانتساب إلى الإسلام، مهما كان النظام ظالمًا لشعبه أو معتديًا على شعوب أخرى؟
أم إن العدل هو المناط الحقيقي، بحيث تكون النصرة دفاعًا عن الشعوب والأوطان، لا دفاعًا عن الأنظمة؟
وإذا كان الظلم مانعًا من النصرة، فهل يقتصر على ظلم النظام لشعبه فقط، أم يشمل أيضًا عدوانه على شعوب أخرى؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يُفهم دعم النظام الإيراني لقمع الثورة السورية دفاعًا عن نظام بشار الأسد؟
ثم هل يكفي رفع شعار «المقاومة» ضد إسرائيل ليمنح الأنظمة الدكتاتورية حصانة سياسية ودينية تمنع الثورة عليها؟
لو كان الأمر كذلك، لكان على الشعب السوري أن يوقف ثورته لأن إسرائيل كانت تقصف مواقع في سوريا. ولكان على الشعب الليبي أن يقف مع القذافي حين تدخل الناتو ضد نظامه. بل لكان من أفتى بجواز الاستعانة بالناتو لإسقاط القذافي قد أقرّ مبدأً يناقض هذا المنطق من أساسه.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الوقائع السياسية بقدر ما يكمن في الفتاوى الحزبية التي تتحرك وفق مصالح الاصطفاف لا وفق أصول الشرع ولا مقتضيات العقل. فهي فتاوى قادرة على الانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بحسب تبدّل التحالفات، من غير أن تشعر بتناقضها مع نفسها.
وهكذا أمكن لقوى سياسية وصلت إلى الحكم في العراق على ظهر الدبابة الأمريكية أن تتحول، في الخطاب نفسه، إلى «مقاومة إسلامية» يُطلب من الأمة الاصطفاف خلفها، بعد أن أدت دورها في تفكيك المنطقة وإجهاض ثورات شعوبها.
وعند هذه النقطة يتكشف السؤال الجوهري الذي لا يمكن الفرار منه:
هل تتحرك الحركة الإسلامية بميزان شرعي ثابت يستمد معاييره من قيم العدل والحرية وكرامة الإنسان؟
أم أنها تتحرك بميزان سياسي متقلب، يجعل الأحكام تتبدل بتبدل التحالفات، حتى يغدو الشرع نفسه أداةً في لعبة الاصطفافات؟ ⚖️
فإن كان الأول هو المقصود، فلا بد من إعادة بناء الميزان من أصوله.
وإن كان الثاني هو الواقع، فذلك يعني أن الأزمة لم تعد أزمة سياسة، بل أزمة صدق في فهم الدين نفسه.
ميزان الحركة الإسلامية بين الشرع والاصطفاف
لا تبدو أزمة الحركة الإسلامية في العالم العربي خطأً سياسيًا عابرًا يمكن تجاوزه بتبدّل الظروف، بل تبدو أعمق من ذلك بكثير: إنها أزمة في ميزان الحكم ذاته. فالمشكلة ليست في تقدير سياسي أخطأ مرة، بل في تكرار الخطأ كلما تغيّر السياق، حتى صار المعيار الذي تُوزن به الأحداث معيارًا متحركًا لا أصل له. وبهذا المعنى، فإن تشرذم الحركة الإسلامية لم يعد مجرد انقسام تنظيمي، بل صار مرآة لتشرذم النظام العربي نفسه، يعكسه ويعيد إنتاجه في مستوى الخطاب الديني والسياسي معًا.
لقد كشفت التحولات الكبرى في الإقليم خلال العقدين الأخيرين عن هذا الاضطراب بوضوح. فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وجدت قطاعات واسعة من الحركة الإسلامية نفسها تتقاطع عمليًا مع خطاب «مكافحة الإرهاب»، الذي صاغته الولايات المتحدة وتبنّته الأنظمة العربية. وفي هذا السياق جرى التعامل مع ما سُمّي «الجهاد السني» في أفغانستان والعراق بوصفه تهديدًا ينبغي احتواؤه، لا مقاومةً لاحتلالٍ أجنبي.
ومن هنا لم يكن مستغربًا أن تتعامل بعض هذه التيارات مع غزو أفغانستان سنة 2001، ثم غزو العراق سنة 2003، باعتبارهما مسارًا ممكنًا للتغيير السياسي، تحت لافتة الديمقراطية وإسقاط الأنظمة الاستبدادية. وقد جرى ذلك من دون مساءلة جادة للمعنى الفعلي لاحتلالٍ عسكري أجنبي يُعاد به تشكيل الإقليم وفق موازين القوى الدولية.
غير أن المفارقة الكبرى أن التيارات نفسها باتت اليوم ترى في أنماط أخرى من القتال المرتبط بإيران «مقاومةً مشروعة» ينبغي دعمها والاصطفاف خلفها.
فالقوى التي لم ترَ في القواعد العسكرية الغربية المنتشرة في المنطقة مساسًا حقيقيًا بالسيادة حين كان الخصم هو «الجهاد السني»، أصبحت ترى في هذه القواعد احتلالًا ينبغي مقاومته إذا كان الصراع مع إيران، بل ذهبت إلى حدّ تبرير استهداف دول الخليج بسبب وجود تلك القواعد.
والحروب التي كانت توصف سابقًا بأنها حروب إمبريالية أو رأسمالية، صارت تُقدَّم اليوم بوصفها حروبًا دينية «صليبية» حين تتجه ضد إيران. وكأن طبيعة الحرب لا تُقاس بطبيعتها الفعلية، بل بالجهة التي تقع عليها.
وقد ازداد هذا الاضطراب وضوحًا خلال أحداث الربيع العربي. فالحركة الإسلامية دخلت آنذاك في مواجهة مع أنظمة عربية استبدادية باسم الحرية والديمقراطية، حتى أيّدت تدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا سنة 2011 لإسقاط نظام معمر القذافي. كما لم تعترض على إسقاط نظام صدام حسين في العراق ولا نظام محمد عمر في أفغانستان، بدعوى أن التخلص من الاستبداد يفتح الطريق أمام بناء أنظمة سياسية أكثر عدلًا.
لكن هذه الحركة نفسها تدعو اليوم إلى الاصطفاف مع النظام الإيراني بوصفه محورًا للمقاومة، من غير أن تبين بوضوح مناط الحكم الشرعي الذي يوجب على الأمة نصرة نظامٍ ما إذا تعرض لعدوان خارجي.
وهنا يبرز السؤال الذي يكشف جوهر الإشكال:
هل مناط النصرة هو مجرد الانتساب إلى الإسلام، مهما كان النظام ظالمًا لشعبه أو معتديًا على شعوب أخرى؟
أم إن العدل هو المناط الحقيقي، بحيث تكون النصرة دفاعًا عن الشعوب والأوطان، لا دفاعًا عن الأنظمة؟
وإذا كان الظلم مانعًا من النصرة، فهل يقتصر على ظلم النظام لشعبه فقط، أم يشمل أيضًا عدوانه على شعوب أخرى؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يُفهم دعم النظام الإيراني لقمع الثورة السورية دفاعًا عن نظام بشار الأسد؟
ثم هل يكفي رفع شعار «المقاومة» ضد إسرائيل ليمنح الأنظمة الدكتاتورية حصانة سياسية ودينية تمنع الثورة عليها؟
لو كان الأمر كذلك، لكان على الشعب السوري أن يوقف ثورته لأن إسرائيل كانت تقصف مواقع في سوريا. ولكان على الشعب الليبي أن يقف مع القذافي حين تدخل الناتو ضد نظامه. بل لكان من أفتى بجواز الاستعانة بالناتو لإسقاط القذافي قد أقرّ مبدأً يناقض هذا المنطق من أساسه.
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في الوقائع السياسية بقدر ما يكمن في الفتاوى الحزبية التي تتحرك وفق مصالح الاصطفاف لا وفق أصول الشرع ولا مقتضيات العقل. فهي فتاوى قادرة على الانتقال من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بحسب تبدّل التحالفات، من غير أن تشعر بتناقضها مع نفسها.
وهكذا أمكن لقوى سياسية وصلت إلى الحكم في العراق على ظهر الدبابة الأمريكية أن تتحول، في الخطاب نفسه، إلى «مقاومة إسلامية» يُطلب من الأمة الاصطفاف خلفها، بعد أن أدت دورها في تفكيك المنطقة وإجهاض ثورات شعوبها.
وعند هذه النقطة يتكشف السؤال الجوهري الذي لا يمكن الفرار منه:
هل تتحرك الحركة الإسلامية بميزان شرعي ثابت يستمد معاييره من قيم العدل والحرية وكرامة الإنسان؟
أم أنها تتحرك بميزان سياسي متقلب، يجعل الأحكام تتبدل بتبدل التحالفات، حتى يغدو الشرع نفسه أداةً في لعبة الاصطفافات؟ ⚖️
فإن كان الأول هو المقصود، فلا بد من إعادة بناء الميزان من أصوله.
وإن كان الثاني هو الواقع، فذلك يعني أن الأزمة لم تعد أزمة سياسة، بل أزمة صدق في فهم الدين نفسه.













