محمود شعيب كاتب وناشط سياسي
بين الحكواتي السياسي وخطاب الشيك بلا رصيد: قراءة في خطابات الشيخ نعيم قاسم
في التراث الشعبي، كان الحكواتي يجلس في المقهى، ينسج قصصًا مشوّقة عن أبطال لا يُهزمون ومعارك لا تُخسر، ويغادر المستمعون وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن ما سمعوه جميل… لكنه محض خيال. تبدأ المشكلة حين ينتقل هذا الأسلوب من فضاء التسلية إلى فضاء السياسة، وحين تتحوّل الحكاية إلى خطاب يُراد له أن يكون بديلًا عن الواقع.
عند الاستماع إلى عدد من خطابات الشيخ نعيم قاسم، يبرز تشابه لافت مع منطق الحكواتي القديم: سردية متكاملة، لغة واثقة، أبطال واضحون وأعداء محددون، لكن مع فجوة كبيرة بين ما يُقال وما يعيشه اللبنانيون يوميًا.
خطاب يعيش خارج الزمن اللبناني
في تحاليل متعددة لخطابات الشيخ نعيم قاسم، يتكرّر الحديث عن «الانتصارات»، و«توازن الردع»، و«الموقع الإقليمي القوي»، وكأن لبنان بلد مزدهر ومستقر. يتجاهل هذا الخطاب واقع الانهيار الاقتصادي، والفقر، والهجرة، ودمار القرى، وتهجير السكان، وانسداد الأفق أمام الشباب. هنا يصبح الخطاب أشبه بحكاية تُروى في زمن آخر، لا تمتّ بصلة إلى نبض الشارع ولا إلى وجع الناس.
الحكواتي لا يشكّ في قصته، وكذلك يفعل هذا الخطاب السياسي: يقين مطلق، لا اعتراف بأخطاء، ولا مراجعة لتجربة طويلة كانت نتائجها كارثية على الجنوبيين والدولة والمجتمع اللبناني ككل.
تُنسب كل الأزمات إلى «الآخرين»، فيما يُقدَّم المشروع السياسي لحزب إيران القائم كأنه منزَّه عن أي خطأ أو مسؤولية. هذا النوع من الخطاب لا يُقنع بقدر ما يُخدّر، ولا يشرح بقدر ما يُبرّر.
حين تُقدَّم الوعود بالحماية والبناء والكرامة والسيادة، فيما الدولة منهارة والمؤسسات مشلولة، تتحوّل هذه الوعود إلى ما يشبه «شيكًا بلا رصيد». الكلمات كبيرة، لكن رصيدها في الواقع صفر: لا كهرباء، لا قضاء مستقل، لا أمن، لا اقتصاد، ولا دولة قادرة. ومع ذلك، يستمر الخطاب في صرف الوعود نفسها، كأن الناس لا تملك ذاكرة أو تجربة.
أخطر ما في هذا النمط من الخطاب أنه لا يكتفي بتجميل الواقع، بل يستبدله بالكامل. خيال سياسي متكامل يُطلب من الناس أن يعيشوا داخله، وأن يصدّقوا أن ما يرونه بأعينهم ليس هو الحقيقة، بل «مؤامرة» أو «تفصيلًا ثانويًا». وهنا يصبح الحكواتي السياسي أداة للهروب من الواقع، لا لمواجهته.
المشكلة ليست في البلاغة ولا في القدرة على الخطابة، بل في استخدام الخيال لتغطية الإفلاس السياسي. فلبنان اليوم لا يحتاج إلى حكواتي جديد، بل إلى خطاب صادق يعترف بالوقائع، ويواجه المسؤوليات، ويقدّم حلولًا قابلة للتحقق، لا حكايات تُروى على أنقاض وطن.
في زمن الانهيار، لم يعد الناس تبحث عن قصص تُقال، بل عن حقيقة تُنفَّذ.

كتب محمود شعيب: بين الحكواتي السياسي وخطاب الشيك بلا رصيد: قراءة في خطابات الشيخ نعيم قاسم
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب محمود شعيب: بين الحكواتي السياسي وخطاب الشيك بلا رصيد: قراءة في خطابات الشيخ نعيم قاسم
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
محمود شعيب كاتب وناشط سياسي
بين الحكواتي السياسي وخطاب الشيك بلا رصيد: قراءة في خطابات الشيخ نعيم قاسم
في التراث الشعبي، كان الحكواتي يجلس في المقهى، ينسج قصصًا مشوّقة عن أبطال لا يُهزمون ومعارك لا تُخسر، ويغادر المستمعون وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن ما سمعوه جميل… لكنه محض خيال. تبدأ المشكلة حين ينتقل هذا الأسلوب من فضاء التسلية إلى فضاء السياسة، وحين تتحوّل الحكاية إلى خطاب يُراد له أن يكون بديلًا عن الواقع.
عند الاستماع إلى عدد من خطابات الشيخ نعيم قاسم، يبرز تشابه لافت مع منطق الحكواتي القديم: سردية متكاملة، لغة واثقة، أبطال واضحون وأعداء محددون، لكن مع فجوة كبيرة بين ما يُقال وما يعيشه اللبنانيون يوميًا.
خطاب يعيش خارج الزمن اللبناني
في تحاليل متعددة لخطابات الشيخ نعيم قاسم، يتكرّر الحديث عن «الانتصارات»، و«توازن الردع»، و«الموقع الإقليمي القوي»، وكأن لبنان بلد مزدهر ومستقر. يتجاهل هذا الخطاب واقع الانهيار الاقتصادي، والفقر، والهجرة، ودمار القرى، وتهجير السكان، وانسداد الأفق أمام الشباب. هنا يصبح الخطاب أشبه بحكاية تُروى في زمن آخر، لا تمتّ بصلة إلى نبض الشارع ولا إلى وجع الناس.
الحكواتي لا يشكّ في قصته، وكذلك يفعل هذا الخطاب السياسي: يقين مطلق، لا اعتراف بأخطاء، ولا مراجعة لتجربة طويلة كانت نتائجها كارثية على الجنوبيين والدولة والمجتمع اللبناني ككل.
تُنسب كل الأزمات إلى «الآخرين»، فيما يُقدَّم المشروع السياسي لحزب إيران القائم كأنه منزَّه عن أي خطأ أو مسؤولية. هذا النوع من الخطاب لا يُقنع بقدر ما يُخدّر، ولا يشرح بقدر ما يُبرّر.
حين تُقدَّم الوعود بالحماية والبناء والكرامة والسيادة، فيما الدولة منهارة والمؤسسات مشلولة، تتحوّل هذه الوعود إلى ما يشبه «شيكًا بلا رصيد». الكلمات كبيرة، لكن رصيدها في الواقع صفر: لا كهرباء، لا قضاء مستقل، لا أمن، لا اقتصاد، ولا دولة قادرة. ومع ذلك، يستمر الخطاب في صرف الوعود نفسها، كأن الناس لا تملك ذاكرة أو تجربة.
أخطر ما في هذا النمط من الخطاب أنه لا يكتفي بتجميل الواقع، بل يستبدله بالكامل. خيال سياسي متكامل يُطلب من الناس أن يعيشوا داخله، وأن يصدّقوا أن ما يرونه بأعينهم ليس هو الحقيقة، بل «مؤامرة» أو «تفصيلًا ثانويًا». وهنا يصبح الحكواتي السياسي أداة للهروب من الواقع، لا لمواجهته.
المشكلة ليست في البلاغة ولا في القدرة على الخطابة، بل في استخدام الخيال لتغطية الإفلاس السياسي. فلبنان اليوم لا يحتاج إلى حكواتي جديد، بل إلى خطاب صادق يعترف بالوقائع، ويواجه المسؤوليات، ويقدّم حلولًا قابلة للتحقق، لا حكايات تُروى على أنقاض وطن.
في زمن الانهيار، لم يعد الناس تبحث عن قصص تُقال، بل عن حقيقة تُنفَّذ.







