في المحصلة، يكشف عدوان 2026 عن مفارقة عميقة: حزب يقدّم نفسه كقوة مقاومة، لكنه في الوقت ذاته يساهم في إدخال البلاد في دوامة صراعات مفتوحة، ويمارس نفوذًا داخليًا يحدّ من مساحة الدولة والمجتمع. وبين خطاب التحرير وواقع السيطرة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع لبنان إعادة التوازن بين منطق الدولة ومنطق السلاح، بما يضمن حماية السيادة دون أن يتحول الداخل إلى ساحة نفوذ مغلقة؟

بين الحرب والسيطرة: كيف يمدّ حزب الله نفوذه تحت رماد العدوان
إ.ن- موقع الحقيقة
في كل مرة تتعرض فيها لبنان لعدوان إسرائيلي، يُعاد طرح الأسئلة ذاتها حول دور الفاعلين الداخليين، وعلى رأسهم حزب الله، الذي لا يمكن فصل حضوره العسكري والسياسي عن مسار الأحداث. في عدوان 2026، لم يكن الحزب مجرد طرف في المواجهة، بل كان جزءًا أساسيًا من معادلة التصعيد، سواء من حيث القرار أو التداعيات، ما يفتح الباب أمام نقاش أعمق حول كلفة هذا الدور على الدولة والمجتمع.
منذ اللحظات الأولى للتصعيد، بدا واضحًا أن الاشتباك لم يكن معزولًا عن سياق إقليمي أوسع، حيث تحرك حزب الله ضمن حسابات تتجاوز الحدود اللبنانية. هذا التموضع جعل الجنوب اللبناني مرة أخرى ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية، في ظل غياب قرار سيادي لبناني جامع يحدد مسار الحرب أو يضع سقفًا لها. وهنا تكمن الإشكالية الأساسية: هل كانت لبنان دولة في حالة دفاع مشروع، أم ساحة ضمن شبكة صراعات إقليمية يديرها الحزب وفق أولوياته؟
على المستوى الميداني، لعب الحزب دورًا محوريًا في فتح الجبهة الشمالية مع إسرائيل، ما أدى إلى توسيع رقعة القصف وتكثيف الضربات على القرى الحدودية والبنية التحتية. ورغم الخطاب الذي يروّج لـ"توازن الردع"، فإن الوقائع تشير إلى أن الكلفة الإنسانية والاقتصادية كانت باهظة، حيث نزحت آلاف العائلات، وتضررت قطاعات حيوية، فيما بقيت الدولة اللبنانية شبه غائبة عن إدارة الأزمة، مكتفية بدور المتلقي للنتائج.
لكن ما يثير الجدل بشكل أكبر هو ما بعد المواجهة، حيث لا يتوقف دور الحزب عند حدود العمل العسكري، بل يمتد إلى فرض واقع ميداني واجتماعي داخل المناطق التي يسيطر عليها. في عدد من المناطق الجنوبية والبقاعية، تكررت شكاوى السكان من سلوكيات تعكس نوعًا من "الوصاية"، سواء عبر التحكم بالحركة، أو التدخل في تفاصيل الحياة اليومية، أو حتى فرض خطاب سياسي وأمني أحادي لا يقبل النقاش.
هذا السلوك يعكس ما يمكن وصفه بـ"غطرسة القوة"، حيث يتحول السلاح من أداة مقاومة إلى وسيلة نفوذ داخلي. فبدل أن يُترجم الدور العسكري إلى حماية جامعة لكل اللبنانيين، يُستخدم كأداة لتعزيز السيطرة داخل بيئة محددة، ما يكرّس الانقسام ويضعف مفهوم الدولة. وفي ظل هذا الواقع، يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: إما القبول بالأمر الواقع، أو مواجهة ضغوط اجتماعية وأمنية غير معلنة.
اقتصاديًا، لا يمكن فصل دور الحزب عن تعميق الأزمة. فاستمرار التوترات العسكرية يعيق أي محاولة للنهوض، ويبعد الاستثمارات، ويزيد من عزلة لبنان الدولية. كما أن ارتباط الحزب بمحاور إقليمية يزيد من تعقيد العلاقات الخارجية، ما ينعكس مباشرة على فرص الدعم المالي وإعادة الإعمار. وفي عدوان 2026 المستمر، تكرّر المشهد ذاته: دمار واسع، ووعود بإعادة البناء، لكن دون رؤية واضحة أو ضمانات حقيقية.
سياسيًا، يطرح هذا الواقع تساؤلات حول مستقبل الدولة اللبنانية. فوجود قوة عسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية يحدّ من قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة، ويضعف موقعها في أي مفاوضات دولية. كما أن استمرار هذا النموذج يكرّس ازدواجية السلطة، حيث تتعايش دولة رسمية ضعيفة مع كيان موازٍ يمتلك القرار الفعلي في ملفات الحرب والسلم.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن جزءًا من البيئة الحاضنة للحزب ما زال يرى فيه قوة حماية، خصوصًا في ظل تاريخ من الاعتداءات الإسرائيلية. لكن هذا التأييد لم يعد مطلقًا كما كان في السابق، إذ بدأت تظهر أصوات داخل هذه البيئة تنتقد الكلفة المرتفعة للمواجهات، وتطالب بإعادة النظر في الأولويات، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي غير المسبوق.










