أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن خصوصية الدستور اللبناني لا تكمن في كونه نصاً مستورداً، بل في كونه نتاج تجربة لبنانية شديدة التعقيد، تشكّلت في ظل تعدد المجتمع وتوازناته، مشدداً على أن تكريم الدستور بعد مئة عام لا يكون بالاحتفال بعمره، بل بإعادة الاعتبار إلى دوره في بناء دولة قوية بالقانون، لا قوية على القانون.
وقال سلام، في كلمة ألقاها خلال افتتاح معرض "بين سطور الدستور"، إن لبنان "لم يستورد دستوراً جاهزاً"، بل استفاد من التجربة الفرنسية وأضاف إليها تجربته الخاصة، معتبراً أن خصوصية الدستور اللبناني تكمن في كونه "ابن تعدد".
وأوضح أن "الميثاق الوطني" أضاف إلى النص الدستوري المكتوب تسوية سياسية حول هوية الكيان اللبناني، وهي تسوية وصفها بأنها كانت أساسية في تأسيس الدولة، لكنها حملت في الوقت نفسه بذور أزمات لاحقة.
وأشار إلى أن التجربة اللبنانية، بكل ما رافقها من أزمات وصراعات، أفضت عام 1989 إلى ولادة "وثيقة الوفاق الوطني" المعروفة باتفاق الطائف، لافتاً إلى أن أهمية الاتفاق لا تختصر بكونه تسوية أنهت الحرب، بل تكمن في كونه محاولة جديدة للإجابة عن السؤال الذي رافق دستور عام 1926: "كيف ندير التعدد من دون أن يتحول إلى صراع على الدولة؟"
ورأى سلام أن اتفاق الطائف أكد مجموعة من المبادئ التي يفترض أن تشكل أساساً لتجديد العقد الوطني، وفي مقدمها أن لبنان "وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء"، وأن نظامه "ديمقراطي برلماني"، وقائم على "مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها".
وأشار إلى أن الطائف أعاد أيضاً توزيع الصلاحيات داخل النظام السياسي، فنقل السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، بما "كرّس مبدأ المسؤولية الجماعية"، كما أقر المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب.
لكن رئيس الحكومة انتقل من توصيف ما أنجزه الطائف إلى مساءلة ما لم يُنفّذ منه، طارحاً سؤالاً سياسياً ودستورياً مباشراً: "بعد أكثر من ثلاثة عقود، علينا أن نسأل أنفسنا بصراحة: هل طبّقنا الطائف فعلاً، أم أننا طبقنا منه ما أعاد توزيع السلطة، وأجلنا ما كان يفترض أن يطور الدولة؟".
وعدد سلام جملة من الإصلاحات التي بقيت معلقة، قائلاً: "كرّسنا المناصفة، لكننا لم ننشئ مجلس الشيوخ. أعلنا أن إلغاء الطائفية السياسية هدف وطني، لكننا لم نضع حتى الآن المسار العملي لتحقيقه. تحدثنا عن اللامركزية، لكنها بقيت مشروعاً مؤجلاً".
وفي انتقاد واضح للممارسة السياسية والإدارية خلال العقود الماضية، لفت سلام إلى أن الدستور تحدث عن إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي في الإدارة، باستثناء وظائف الفئة الأولى، إلا أن التطبيق ذهب في الاتجاه المعاكس.
وقال إن هذه القاعدة "توسعت لتشمل مختلف فئات الإدارة، وصولاً إلى أدنى الرتب فيها"، فيما تحولت، مع مرور الوقت، معظم الوظائف العامة إلى مواقع تكاد تكون محجوزة لطوائف محددة دون سواها.
وأضاف أن لبنان "تحدث كثيراً عن دولة المؤسسات، فيما سمحنا في محطات كثيرة للأعراف ولتوازنات القوى بأن تتقدم على النص والمؤسسات".
وانطلاقاً من ذلك، شدد سلام على أن التمسك باتفاق الطائف لا يمكن أن يكون انتقائياً، مؤكداً أن المطلوب هو تطبيقه بكل بنوده، لا الاكتفاء بالأجزاء التي تخدم مصالح القوى السياسية.
وقال: "إذا كنا فعلاً متمسكين بالطائف، فعلينا أولاً أن نطبقه بكامل بنوده. ولا يجوز أن نعلن تمسكنا بالطائف فيما نترك جزءاً كبيراً من إصلاحاته معلقاً. ولا يجوز أن يستخدم كل فريق ما يناسبه منه، ثم يتجاهل ما يتوجب عليه من التزامات".
ودعا سلام، في المقابل، إلى تصحيح ما وصفه بتشويه بعض بنود الطائف أثناء التطبيق، وسد الثغرات التي كشفتها الممارسة خلال العقود الماضية، معتبراً أن تطوير الدستور، عندما تقتضي الحاجة، يجب أن يتم "وفق قواعده لا بتجاوزه".
وأشار إلى أن التجربة اللبنانية كشفت عن مسائل لا يمكن الاستمرار في تجاهلها، بعدما شهد البلد "أزمات دستورية طويلة"، معتبراً أن هذه القضايا تستوجب النقاش والحسم.
وشدد على أن المسألة لا تتعلق بتفاصيل تقنية أو خلافات في تفسير النصوص، بل تمس مستقبل الدولة نفسها، قائلاً: "فلا يمكن لأي دولة أن تستمر إذا أصبح التعطيل جزءاً من قواعدها غير المكتوبة".
ورأى أن المرحلة الراهنة تستوجب العمل على "سد ثغرات الطائف والاتفاق على تفسير أحكامه، بل ومراجعتها وتطويرها كلما اقتضت الحاجة"، بما يحول دون بقاء الأزمات الدستورية رهينة الأعراف والتوازنات السياسية.
وفي ختام كلمته، عاد سلام إلى الفكرة التي انطلق منها، مؤكداً أن مئوية الدستور يجب ألا تتحول إلى مجرد مناسبة احتفالية، بل إلى فرصة لإعادة النظر في وظيفة الدستور ودوره في حماية الدولة والمجتمع.
وقال: "إن أفضل تكريم لمئوية الدستور ليس أن نحتفل بعمره، بل أن نحقق غايته. أن تكون لدينا دولة قوية بالقانون، لا قوية على القانون. دولة تحمي الحرية لأنها سيدة. وتحمي التعدد لأنها عادلة. وتطبق القانون لأنها تمتلك وحدها السلطة الشرعية".
وختم سلام برسالة تختصر رؤيته للدولة والعقد الدستوري، قائلاً: "الدولة هي الضمانة، والدستور هو عقد هذه الضمانة. بعد مئة عام، علينا أن نستعيد هذا المعنى. فأفضل ما نكرّم به الدستور في مئويته، أن نعيد إليه دوره ومعناه".











