أكد رئيس الحكومة نواف سلام أن لبنان يمر بمرحلة بالغة الصعوبة، مشدداً على أن الخروج من الأزمة ليس مستحيلاً شرط تضافر الجهود ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
وقال سلام، خلال جلسة مجلس الوزراء، إن الحرب التي اندلعت في آذار الماضي فُرضت على لبنان في وقت لم تكن فيه البلاد قد تعافت بعد من تداعيات حربَي 2023 و2024، مشيراً إلى أن الحكومة حذرت مراراً من مخاطر الانجرار إلى الحرب ودعت إلى تحكيم العقل وحماية البلاد والمواطنين.
وفي استعراضه لحجم الخسائر، أوضح سلام أن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن الحرب الأولى التي بدأت في تشرين الأول 2023 بلغت كلفتها الإجمالية نحو 14 مليار دولار، بينها 7.2 مليار دولار أضرار مادية و6.8 مليار دولار خسائر اقتصادية ناجمة عن تعطّل النشاط وتراجع الإنتاج والإيرادات، فضلاً عن سقوط أكثر من 4 آلاف شهيد وأكثر من 16 ألف جريح.
أما الحرب الأخيرة التي بدأت في 2 آذار، فأشار إلى أن كلفتها المباشرة، وفق تقدير أولي للبنك الدولي، تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار، فيما تتراوح كلفتها الاقتصادية، خارج الأضرار المادية المباشرة، بين 4 و5 مليارات دولار على الأقل، مع أكثر من 4 آلاف شهيد و12 ألف جريح.
وأكد سلام أن الحربين معاً كلفتا لبنان أكثر من 20 مليار دولار، وقد تتجاوز الكلفة الإجمالية 27 مليار دولار عند استكمال احتساب أضرار حرب 2026.
ولفت إلى أن هذه الأرقام لا تعكس كامل الكلفة الحقيقية، لأنها لا تشمل خسائر هجرة الكفاءات، وتراجع الاستثمارات، وتأثر القطاع التعليمي، وانخفاض قيمة الأراضي والأصول، إضافة إلى تأخير مسار التعافي من الأزمة المالية المستمرة منذ عام 2019.
وبحسب سلام، خلّفت الحربان نحو 9 آلاف شهيد وأكثر من 30 ألف جريح، إضافة إلى أكثر من مليون نازح في ذروة الحرب الأخيرة، وعشرات الآلاف من المنازل المدمرة، فيما لا يزال سكان أكثر من 75 قرية ومدينة عاجزين عن العودة إلى منازلهم وأرزاقهم.
اقتصادياً، أشار رئيس الحكومة إلى أن لبنان كان قد سجل نمواً بنسبة 4.2 في المئة العام الماضي، بما شكّل بداية لمسار تعافٍ تدريجي، إلا أن تداعيات الحرب أعادت الاقتصاد إلى الانكماش، مع تقديرات بانكماش بنسبة 6.4 في المئة هذا العام.
وأضاف أن التداعيات تفاقمت مع ارتفاع التضخم، وارتفاع أسعار النفط عالمياً نتيجة الحرب في المنطقة، وتراجع تحويلات المغتربين وتوقف النشاط السياحي، ما انعكس مباشرة على الواقع المعيشي للبنانيين ورفع كلفة السلع والحاجات الأساسية والطاقة.
وأشار سلام إلى أن أكثر من 250 ألف لبناني ما زالوا في عداد النازحين، فيما أدت الحرب الأخيرة إلى تدمير 91 ألف وحدة سكنية كلياً أو جزئياً، إضافة إلى نحو 232 ألف وحدة تضررت في الحرب السابقة، إلى جانب أضرار واسعة طالت المباني والمنشآت.
وفي ما يتعلق باستجابة الدولة، قال سلام إن الحكومة فعلت منذ الساعات الأولى للحرب غرفة العمليات المركزية لدى رئاسة مجلس الوزراء، واعتمدت آلية تنسيق شاملة، فيما أتاحت خطة الجهوزية الوطنية تحديد 325 مركزاً محتملاً للإيواء، ما سمح بتأمين مراكز للنازحين بصورة سريعة ومنظمة.
وأوضح أن الاستجابة الإنسانية شملت توزيع أكثر من 15.5 مليون وجبة ساخنة وباردة، وأكثر من 6 ملايين ليتر من مياه الشرب، ونحو 490 ألف بطانية، إلى جانب تقديم مساعدات نقدية بقيمة 52 مليون دولار للعائلات الأكثر هشاشة، وتوفير أكثر من 8 ملايين ليتر من الوقود لمراكز الإيواء والقرى الحدودية.
وشدد سلام على أن هدف الحكومة لا يقتصر على إدارة النزوح، بل يتمثل في إعادة النازحين إلى أرضهم وإغلاق مراكز الإيواء وإعادة تأمين مقومات الحياة والعمل لهم في بلداتهم وقراهم.
وقال إن الحكومة انتقلت من مرحلة إدارة النزوح إلى مرحلة العودة والتعافي، مع العمل على تأمين العودة الآمنة والكريمة للعائلات، خصوصاً في المناطق التي بدأت تشهد عودة سكانها، ومنها الضاحية الجنوبية لبيروت والنبطية والزهراني وصور.
وأشار إلى أن الأولويات الحكومية تشمل رفع الأنقاض، وفتح الطرق وإصلاحها، ومعالجة أضرار الجسور، واستحداث طرق ومعابر بديلة عند الحاجة، بالتوازي مع إعادة خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، وترميم المدارس والمراكز الحكومية والمنازل المتضررة جزئياً، والتحضير لإقامة بيوت جاهزة حيث تدعو الحاجة.
وفي ملف إعادة الإعمار، أقر سلام بأن حجم الدمار يفوق قدرة الدولة بمواردها الحالية على تحمله منفردة، مؤكداً أن عملية التعافي وإعادة الإعمار تحتاج إلى دعم عربي ودولي وتمويل خارجي كبير.
وشدد على أن إعادة الإعمار المستدامة تحتاج إلى تمويل، وأن التمويل يحتاج إلى الثقة، فيما لا يمكن بناء الثقة من دون دولة قادرة، معتبراً أن الوصول إلى دولة قادرة يتطلب الإصلاح، وفي مقدمته الإصلاح المالي.
كما تطرق سلام إلى الإصلاحات المصرفية، مشيراً إلى أن الحكومة أحالت مشروعاً لتعديل قانون إصلاح المصارف بما يتوافق مع توصيات صندوق النقد الدولي، معرباً عن أمله في إقرار التعديلات بما يساعد لبنان على الخروج من أزمته والدخول في مسار التعافي.
وأكد في ختام كلمته أن الحكومة ستواصل حشد كل إمكانات الدولة لمعالجة آثار الحرب، وتأمين عودة النازحين، وإعادة الخدمات الأساسية، وفتح الطريق أمام التعافي وإعادة الإعمار، بالتوازي مع مسار الإصلاحات المطلوبة.












