ألقى رئيس مجلس الوزراء نواف سلام كلمة لبنان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تناول فيها التحديات التي تواجه لبنان والمنطقة، مشدداً على استعادة الدولة لقرارها وسيادتها، وعلى ضرورة تنفيذ القرارات الدولية، إلى جانب الإصلاحات الداخلية وإعادة الإعمار.
وقال سلام إن العالم لا يزال يشهد حروباً ونزاعات متزايدة، في ظل إنفاق متصاعد على التسلّح مقابل تراجع الاهتمام بالتنمية، معتبراً أن أزمة النظام الدولي لا تكمن في غياب القواعد، بل في «انتقائية تطبيقها» وعدم احترامها بصورة متساوية بين الدول.
وشدد على أن استعادة الثقة تقتضي احترام القانون الدولي، والوقاية من النزاعات، وربط السلام بالتنمية والعدالة الاقتصادية، داعياً إلى نظام اقتصادي دولي أكثر إنصافاً للدول النامية. كما تناول تداعيات التغير المناخي والثورة في مجال الذكاء الاصطناعي، محذراً من اتساع فجوة جديدة بين الدول في هذا المجال.
وفي الشأن اللبناني، اعتبر سلام أن مهمة حكومته تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: استعادة ثقة اللبنانيين بالدولة، واستعادة القرار الوطني، واستعادة كامل الأراضي اللبنانية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
وأوضح أن الحكومة تعمل على إصلاح المؤسسات وتعزيز استقلال القضاء وتحديث قانون الإعلام وإلغاء عقوبة الإعدام، إلى جانب استكمال الإصلاحات المالية بهدف إعادة الانتظام المالي واستعادة الودائع والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بما يفتح الباب أمام تمويل التعافي وإعادة الإعمار.
وفي ما يتعلق بانفجار مرفأ بيروت، أكد سلام أن «جرح الرابع من آب لا يزال مفتوحاً»، مشدداً على أن الحقيقة والعدالة والمحاسبة تبقى شرطاً لمعالجة تداعيات الكارثة.
أما على مستوى القرار الوطني، فأكد أن الدولة ماضية في تثبيت حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم ضمن مؤسساتها الدستورية، مشيراً إلى أن لبنان «لا يقبل بأن يكون ساحة لصراعات الآخرين أو ورقة تفاوض في أيديهم»، وأن مستقبله لا يجوز أن يُقرّر بالنيابة عنه.
وفي ملف الجنوب، جدد سلام تمسك لبنان بوقف الحرب وتثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية المعترف بها، وفق اتفاقية الهدنة لعام 1949 والقرار 1701، إضافة إلى الإفراج عن الأسرى وعودة الأهالي إلى قراهم وإعادة إعمار المناطق المتضررة.
وكشف أن الدولة اللبنانية دخلت في مفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية بهدف التوصل إلى ترتيبات تنهي الحرب وتضمن استعادة لبنان كامل سيادته، مشدداً على أن السيادة «لا تتجزأ»، وأنها تستوجب في الوقت نفسه انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها.
وأوضح أن الإطار الثلاثي الذي تم التوصل إليه في المفاوضات يقوم على مبدأي التبادلية والمرحلية، داعياً إلى تحويله إلى خطوات عملية ضمن جدول زمني واضح وآلية للتحقق من تنفيذ جميع بنوده.
وتطرق سلام إلى قوات اليونيفيل، مشيداً بدورها في حفظ الاستقرار ودعم الجيش اللبناني وتنفيذ القرار 1701، ومعبراً عن تقدير لبنان للدول المشاركة فيها. كما حذّر من الفراغ الذي قد ينجم عن انسحابها في نهاية العام، داعياً إلى الاتفاق على قوة دولية بديلة تضمن استمرار مهام المراقبة والإبلاغ والتواصل، بما يتكامل مع تنفيذ الإطار الثلاثي.
وفي ملف إعادة الإعمار، أكد أن استعادة الأرض لا تقتصر على انسحاب قوات الاحتلال، بل تشمل عودة السكان إلى مناطقهم واستعادة مصادر رزقهم، داعياً المجتمع الدولي إلى مواصلة تمويل الاستجابة الإنسانية والتعافي المبكر وإعادة الإعمار، ولا سيما في الجنوب.
إقليمياً، شدد رئيس الحكومة على أن استقرار لبنان مرتبط باستقرار المنطقة، داعياً إلى تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير، ومؤكداً أن تقويض دور وكالة الأونروا لا يلغي حقوق اللاجئين الفلسطينيين، بل يزيد معاناتهم والأعباء على الدول المضيفة، وفي مقدمتها لبنان.
كما أعلن تضامن لبنان مع دول الخليج والأردن في مواجهة «الاعتداءات الإيرانية» التي قال إنها تهدد أمن المنطقة وحرية الملاحة، محذراً من انعكاساتها على سلاسل الإمداد وأسعار السلع والطاقة والتضخم.
وفي ختام كلمته، دعا سلام إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة، معتبراً أن تركيبة مجلس الأمن لا تعكس التحولات التي شهدها العالم منذ عام 1945. وطالب بتوسيع المجلس بما يضمن تمثيلاً أكثر شمولاً وعدالة، ولا سيما لإفريقيا والعالم العربي والدول الصغيرة والمتوسطة.
كما دعا إلى تقييد استخدام حق النقض في حالات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، مؤكداً أن إصلاح الأمم المتحدة يجب أن يجعلها «أكثر تمثيلاً وديمقراطية وفعالية»، وقادرة على مواكبة التحديات الدولية المتسارعة.












