- خلف الكواليس الأمنية… لماذا خاف "الحزب" من الكاميرات؟
في مشهد يخرج عن المألوف اليومي، برز طلب لافت من “حزب الله” تجاوز حدوده التقنية البحتة، متجهًا إلى عمق الحسابات الأمنية الدقيقة، حين دُعي أصحاب المحال ولجان الأبنية والمؤسسات في البسطة الفوقا والبسطة التحتا والخندق الغميق ومحيطها إلى إطفاء كاميرات المراقبة وفصلها عن شبكة الإنترنت، خطوةٌ تبدو في ظاهرها احترازية، لكنها في جوهرها تعكس تحولًا في مقاربة الأمن، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع هواجس الاختراق وتتعانق مع حسابات الصراع المفتوح.
المعطيات الأمنية المتداولة تضع هذا التوجه في سياق أبعد من ردة فعل ظرفية، إذ اتت متزامنة مع انخراط الحزب في حرب الإسناد لغزة، ومع تصاعد وتيرة استهداف قياداته، ما دفعه إلى العودة نحو وسائل يعتبرها أكثر أمانًا في زمن الانكشاف الرقمي، اي رموز مبهمة، خطوط هاتف أرضية، وأدوات تقليدية تُستعاد من أرشيف العمل السري، في محاولة واعية للابتعاد عن أعين لا تنام وقدرات رصد لا تعرف الحدود.
في المقابل، تتقدم تكنولوجيا المراقبة كأحد أبرز عناصر إدارة الاشتباك، إذ يشير الخبير في الأمن السيبراني طوني ضو في حديثه إلى موقع "الحقيقة" إلى اعتماد إسرائيل على منظومات متكاملة تمزج بين الكاميرات المنتشرة، وأنظمة الاستشعار عن بُعد، والطائرات المسيرة التي تجوب الأجواء لالتقاط أدق التفاصيل، وضمن هذا الواقع، يتحول أي جهاز متصل بالشبكة، مهما بدا بسيطًا إلى منفذ محتمل للاختراق أو أداة تعقب صامتة.
ولا يتوقف المشهد عند حدود الصورة، فالتنصت الإلكتروني بحسب ضو، بلغ مستويات متقدمة للغاية، تشمل اختراق الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب، وتحليل أنماط الاتصال، وتفكيك البيانات، بالتوازي مع تشغيل شبكات اتصالات خاصة تمتد جذورها إلى مطلع الألفية، سباق دائم بين الاختباء والكشف بين التمويه والتعقب، حيث لا مكان للثبات في معادلة تتبدل كل لحظة.
وفي قلب هذا الاشتباك غير المرئي، تنشأ لغة مشفرة تتبدل باستمرار، كلمات تُستبدل يوميًا، إشارات يعاد تعريفها، ومصطلحات لا يفك شيفرتها إلا من صاغها وإلى جانب ذلك، يتابع ضو: يبقى العامل البشري حاضرًا بقوة عبر شبكات المخبرين، حيث تتقاطع المعلومات الميدانية مع البيانات الرقمية لتحديد الأهداف بدقة، فيتحول توقيت الحركة وتفاصيلها إلى مادة تحليل لا تقل وزنًا عن أي معطى عسكري مباشر.
وعلى الضفة المقابلة، لا يكتفي الحزب بالتحصن، إنما يعمل على تطوير أدواته الهجومية أيضًا، من توظيف الطائرات المسيرة إلى استهداف وسائل جمع المعلومات لدى خصمه، ضمن ما يُعرف باستراتيجية “إعماء العدو”، أي تعطيل قدرته على الرصد عبر ضرب عيونه وآذانه التقنية، في معادلة ترتكز على حرمان الخصم من التفوق المعلوماتي قبل أي مواجهة بالنار.
عند هذا الحد، يخلص ضو إلى القول: تتكشف دلالة إطفاء الكاميرات كجزء من تحول أوسع في طبيعة الصراع، حيث لم تعد الجبهات تُرى بالكامل، ولم يعد السلاح وحده يرسم ملامح المواجهة البيانات، الإشارات والخوارزميات باتت في صدارة المشهد، فيما يبقى السؤال يتردد في شوارع بيروت: حين تُطفأ الكاميرات… هل ينحسر الخطر، أم يزداد خفاء واتساعًا؟