لماذا رفضت واشنطن عبر سفارتها دفن «الميكانيزم» رسميًا؟
شادي هيلانة – الحقيقة
لا يأتي إعلان السفارة الأميركية عن موعد الاجتماع المقبل للجنة «الميكانيزم» في سياق تقني عابر، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز الشكل إلى الجوهر، وتعيد التأكيد أن هذه الآلية باتت جزءًا ثابتًا من المقاربة الأميركية للملف الحدودي بين لبنان وإسرائيل، وليست إجراءً ظرفيًا مرتبطًا بتصعيد أو تهدئة مؤقتة.
مصادر دبلوماسية متابعة للملف ترى، عبر موقع «الحقيقة»، أن إعادة تثبيت موعد الاجتماع في هذا التوقيت بالذات تعكس قرارًا أميركيًا واضحًا بعدم السماح بانقطاع قنوات التواصل غير المباشر، مهما تبدلت الوقائع الميدانية أو ارتفع منسوب التوتر جنوبًا، كون واشنطن تنظر إلى «الميكانيزم» كأداة إدارة طويلة الأمد للصراع، لا كإطار مرحلي قابل للتجميد أو التعليق.
وتشير المصادر إلى أن القراءة الأميركية تختلف جذريًا عن الانطباعات السائدة في الداخل اللبناني، حيث جرى التعامل سابقًا مع اللجنة وكأنها ورقة ضغط أو مكسب سياسي قابل للسحب، بينما في العقل الأميركي البراغماتي تبقى كل آلية قائمة ما دامت تخدم الهدف النهائي، حتى لو تبدلت وظائفها أو أُعيد ترتيب أدوارها.
في هذا السياق يندرج ما قاله رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية شارل جبور، الذي عبّر في حديثه إلى موقعنا عن استغرابه من التداول بإمكانية وقف أعمال «الميكانيزم»، معتبرًا أن الفهم الأميركي لطبيعة هذه اللجنة لا يتقاطع مع المقاربة اللبنانية، إذ إن جوهرها في المرحلة الأخيرة يقوم على إبقاء اللبناني والإسرائيلي في غرفة واحدة، ولو عبر وسطاء وتحت رعاية أميركية، وهو ما يضعها عمليًا في خانة التفاوض غير المباشر.
ويضيف جبور أن واشنطن لا تُقدم على إلغاء أي مسار أثبت فعاليته ولو بالحد الأدنى، بل تميل دائمًا إلى تطويره وتوسيعه وتكييفه مع المتغيرات الميدانية والسياسية، وهو ما يفسر الإصرار على إبقاء «الميكانيزم» حيًا، بانتظار نقله من طابعه الأمني العسكري الضيق إلى مساحة أوسع تمهّد لاحقًا لمسار تفاوضي أكثر وضوحًا.
بالتالي، هذا الإصرار الأميركي يتقاطع مع التصعيد الإسرائيلي الأخير، حيث يرى جبور أن الاستهدافات التي شهدها الجنوب في الأيام الماضية لا تنفصل عن محاولة تل أبيب إعادة تثبيت قواعد اشتباك جديدة، بالتوازي مع الضغط السياسي غير المعلن لدفع واشنطن إلى تسريع إدارة الملف عبر القنوات القائمة، بدل تركه مفتوحًا على احتمالات غير محسوبة.
وبحسب جبور، فإن إسرائيل تستخدم الميدان لتحسين شروطها التفاوضية لا لإغلاق الباب أمام المسار القائم، وهو ما يجعل من استمرار «الميكانيزم» ضرورة أميركية قبل أن يكون خيارًا لبنانيًا أو إسرائيليًا، إذ إن أي فراغ في هذا الإطار قد يفتح الباب أمام انفلات لا تريده واشنطن في هذه المرحلة الحساسة إقليميًا.
انطلاقًا من ذلك، يختم جبور بقوله: لم يعد «الميكانيزم» مجرد لجنة تقنية لمتابعة التنسيق الأمني، بل تحوّل إلى منصة سياسية مؤجلة الوظائف تُدار على نار هادئة بانتظار اللحظة المناسبة للانتقال إلى مرحلة أكثر مباشرة، وهو ما يجعل الحديث عن إسقاطه أو تجميده خارج السياق الواقعي للمشهد الدولي الحالي.
بهذا المعنى، فإن إعادة تحريك اللجنة اليوم لا تعكس تغييرًا في الاتجاه، بل تثبيتًا للمسار، ورسالة واضحة بأن واشنطن لا تزال تمسك بخيوط الملف، وتُفضل إدارة التوتر بدل القفز في المجهول، مهما ارتفع منسوب الضغوط أو تعددت محاولات فرض الوقائع بالنار.

كتب شادي هيلانة: لماذا رفضت واشنطن عبر سفارتها دفن «الميكانيزم» رسميًا؟

شادي هيلانة
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب شادي هيلانة: لماذا رفضت واشنطن عبر سفارتها دفن «الميكانيزم» رسميًا؟

شادي هيلانة
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
لماذا رفضت واشنطن عبر سفارتها دفن «الميكانيزم» رسميًا؟
شادي هيلانة – الحقيقة
لا يأتي إعلان السفارة الأميركية عن موعد الاجتماع المقبل للجنة «الميكانيزم» في سياق تقني عابر، بل يحمل دلالات سياسية وأمنية تتجاوز الشكل إلى الجوهر، وتعيد التأكيد أن هذه الآلية باتت جزءًا ثابتًا من المقاربة الأميركية للملف الحدودي بين لبنان وإسرائيل، وليست إجراءً ظرفيًا مرتبطًا بتصعيد أو تهدئة مؤقتة.
مصادر دبلوماسية متابعة للملف ترى، عبر موقع «الحقيقة»، أن إعادة تثبيت موعد الاجتماع في هذا التوقيت بالذات تعكس قرارًا أميركيًا واضحًا بعدم السماح بانقطاع قنوات التواصل غير المباشر، مهما تبدلت الوقائع الميدانية أو ارتفع منسوب التوتر جنوبًا، كون واشنطن تنظر إلى «الميكانيزم» كأداة إدارة طويلة الأمد للصراع، لا كإطار مرحلي قابل للتجميد أو التعليق.
وتشير المصادر إلى أن القراءة الأميركية تختلف جذريًا عن الانطباعات السائدة في الداخل اللبناني، حيث جرى التعامل سابقًا مع اللجنة وكأنها ورقة ضغط أو مكسب سياسي قابل للسحب، بينما في العقل الأميركي البراغماتي تبقى كل آلية قائمة ما دامت تخدم الهدف النهائي، حتى لو تبدلت وظائفها أو أُعيد ترتيب أدوارها.
في هذا السياق يندرج ما قاله رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية شارل جبور، الذي عبّر في حديثه إلى موقعنا عن استغرابه من التداول بإمكانية وقف أعمال «الميكانيزم»، معتبرًا أن الفهم الأميركي لطبيعة هذه اللجنة لا يتقاطع مع المقاربة اللبنانية، إذ إن جوهرها في المرحلة الأخيرة يقوم على إبقاء اللبناني والإسرائيلي في غرفة واحدة، ولو عبر وسطاء وتحت رعاية أميركية، وهو ما يضعها عمليًا في خانة التفاوض غير المباشر.
ويضيف جبور أن واشنطن لا تُقدم على إلغاء أي مسار أثبت فعاليته ولو بالحد الأدنى، بل تميل دائمًا إلى تطويره وتوسيعه وتكييفه مع المتغيرات الميدانية والسياسية، وهو ما يفسر الإصرار على إبقاء «الميكانيزم» حيًا، بانتظار نقله من طابعه الأمني العسكري الضيق إلى مساحة أوسع تمهّد لاحقًا لمسار تفاوضي أكثر وضوحًا.
بالتالي، هذا الإصرار الأميركي يتقاطع مع التصعيد الإسرائيلي الأخير، حيث يرى جبور أن الاستهدافات التي شهدها الجنوب في الأيام الماضية لا تنفصل عن محاولة تل أبيب إعادة تثبيت قواعد اشتباك جديدة، بالتوازي مع الضغط السياسي غير المعلن لدفع واشنطن إلى تسريع إدارة الملف عبر القنوات القائمة، بدل تركه مفتوحًا على احتمالات غير محسوبة.
وبحسب جبور، فإن إسرائيل تستخدم الميدان لتحسين شروطها التفاوضية لا لإغلاق الباب أمام المسار القائم، وهو ما يجعل من استمرار «الميكانيزم» ضرورة أميركية قبل أن يكون خيارًا لبنانيًا أو إسرائيليًا، إذ إن أي فراغ في هذا الإطار قد يفتح الباب أمام انفلات لا تريده واشنطن في هذه المرحلة الحساسة إقليميًا.
انطلاقًا من ذلك، يختم جبور بقوله: لم يعد «الميكانيزم» مجرد لجنة تقنية لمتابعة التنسيق الأمني، بل تحوّل إلى منصة سياسية مؤجلة الوظائف تُدار على نار هادئة بانتظار اللحظة المناسبة للانتقال إلى مرحلة أكثر مباشرة، وهو ما يجعل الحديث عن إسقاطه أو تجميده خارج السياق الواقعي للمشهد الدولي الحالي.
بهذا المعنى، فإن إعادة تحريك اللجنة اليوم لا تعكس تغييرًا في الاتجاه، بل تثبيتًا للمسار، ورسالة واضحة بأن واشنطن لا تزال تمسك بخيوط الملف، وتُفضل إدارة التوتر بدل القفز في المجهول، مهما ارتفع منسوب الضغوط أو تعددت محاولات فرض الوقائع بالنار.









