إسرائيل وإيران: وهم القوة الذاتية في ظل الرعاية الدولية "قراءة في الدور الوظيفي للقوتين داخل توازنات النظام العالمي".
في النقاشات الدائرة في عالمنا العربي يُقدَّم الصراع في الإقليم كما لو كان مواجهة بين قوتين عظميين: إسرائيل وإيران. غير أن نظرة أكثر هدوءًا إلى شروط القوة في الحروب الحديثة تكشف أن ما يبدو صراعًا بين قوتين مستقلتين ليس في الحقيقة سوى توازن بين قوتين وظيفيتين تعيشان على منظومة دعم خارجي.
فإسرائيل، مهما بلغت قدراتها العسكرية، لم تكن لتصمد في الإقليم خلال السنوات الأخيرة لولا منظومة الدعم الغربي الشاملة: دعم عسكري ومالي واستخباراتي وإعلامي، يمتد من الحكومات إلى شبكات النفوذ المنتشرة في الغرب. ومن دون هذه الرعاية يصبح اختلالها الديموغرافي والاقتصادي عامل ضعف لا يمكن تجاوزه.
أما إيران، التي تقدّم نفسها بوصفها قوة إقليمية صاعدة، فتعاني بدورها هشاشة بنيوية لا تقل عمقًا. فاقتصادها المحاصر، وعملتها المتراجعة، واعتمادها على شبكات نفوذ خارجية مكلفة، كلها عوامل تجعل قدرتها على الصمود الطويل محدودة من دون دعم خارجي، خصوصًا من روسيا والصين. غير أن هذا الدعم ليس تحالفًا استراتيجيًا كاملًا بقدر ما هو علاقة استخدام متبادل في إطار الصراع العالمي مع الغرب.
ومن هنا يتضح أن ما يبدو في الظاهر صراعًا بين قوتين مستقلتين يخفي حقيقة أخرى: كلاهما يعتمد على منظومة رعاية خارجية تضمن استمرار دوره في توازنات الإقليم.
غير أن الأخطر من هذه الحقيقة هو السردية التي بُنيت حول “القوة الذاتية” لكل منهما. فهذه السردية تُخفي ضعف البنية العميقة، وتحوّل القوة المستعارة إلى أسطورة سياسية.
لقد أصبح من الواضح أن شروط القوة في الحروب الحديثة لا تقوم فقط على السلاح، بل على ثلاثة عناصر حاسمة: اقتصاد منتج، وتقدم علمي وتكنولوجي، وبنية اجتماعية قادرة على تحمل كلفة الصراع الطويل. وفي هذا الميزان تتكشف الفوارق الهائلة بين القوى العالمية الكبرى وبين القوى الإقليمية التي تُضخّمها الدعاية السياسية.
وفي ضوء ذلك يصبح اختزال المشهد في صراع إسرائيلي–إيراني تبسيطًا مضلِّلًا. فالصراع الحقيقي يدور في مستوى أوسع بكثير، يتعلق بتوازنات النظام الدولي بين الولايات المتحدة من جهة، والقوى الصاعدة مثل الصين وروسيا من جهة أخرى، وبمستقبل النظام الاقتصادي العالمي ودور الدولار فيه.
كما أن هناك بُعدًا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التحولات الديموغرافية والحضارية في الجنوب العالمي، حيث يمتلك العالم الإسلامي حضورًا بشريًا وثقافيًا متزايدًا قد يؤثر في موازين القوة العالمية على المدى الطويل.
لهذا تبدو كثير من النقاشات السياسية في منطقتنا أسيرة قراءة سطحية للمشهد الدولي، تختزل الصراعات الكبرى في مواجهات إقليمية محدودة، بينما الحقيقة أن ما يجري جزء من لعبة استراتيجية عالمية أعقد بكثير.
إن المعركة الحقيقية ليست فقط في ميدان القوة العسكرية، بل في ميدان السرديات التي تبرر هذه الأدوار. فعندما تنهار الأساطير التي تحيط بالقوة، يتضح أن كثيرًا من الكيانات التي تبدو قوية إنما تستمد قوتها من منظومة أوسع، وأن دورها في النهاية جزء من توازنات النظام الدولي لا أكثر.
ومن هنا فإن تفكيك هذه السرديات يظل خطوة أساسية لفهم ما يجري في الإقليم، ولتحرير الوعي السياسي من الأوهام التي تصنعها الدعاية قبل أن تصنعها الوقائع.

كتب عادل اسماعيل: إسرائيل وإيران: وهم القوة الذاتية في ظل الرعاية الدولية

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب عادل اسماعيل: إسرائيل وإيران: وهم القوة الذاتية في ظل الرعاية الدولية

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
إسرائيل وإيران: وهم القوة الذاتية في ظل الرعاية الدولية "قراءة في الدور الوظيفي للقوتين داخل توازنات النظام العالمي".
في النقاشات الدائرة في عالمنا العربي يُقدَّم الصراع في الإقليم كما لو كان مواجهة بين قوتين عظميين: إسرائيل وإيران. غير أن نظرة أكثر هدوءًا إلى شروط القوة في الحروب الحديثة تكشف أن ما يبدو صراعًا بين قوتين مستقلتين ليس في الحقيقة سوى توازن بين قوتين وظيفيتين تعيشان على منظومة دعم خارجي.
فإسرائيل، مهما بلغت قدراتها العسكرية، لم تكن لتصمد في الإقليم خلال السنوات الأخيرة لولا منظومة الدعم الغربي الشاملة: دعم عسكري ومالي واستخباراتي وإعلامي، يمتد من الحكومات إلى شبكات النفوذ المنتشرة في الغرب. ومن دون هذه الرعاية يصبح اختلالها الديموغرافي والاقتصادي عامل ضعف لا يمكن تجاوزه.
أما إيران، التي تقدّم نفسها بوصفها قوة إقليمية صاعدة، فتعاني بدورها هشاشة بنيوية لا تقل عمقًا. فاقتصادها المحاصر، وعملتها المتراجعة، واعتمادها على شبكات نفوذ خارجية مكلفة، كلها عوامل تجعل قدرتها على الصمود الطويل محدودة من دون دعم خارجي، خصوصًا من روسيا والصين. غير أن هذا الدعم ليس تحالفًا استراتيجيًا كاملًا بقدر ما هو علاقة استخدام متبادل في إطار الصراع العالمي مع الغرب.
ومن هنا يتضح أن ما يبدو في الظاهر صراعًا بين قوتين مستقلتين يخفي حقيقة أخرى: كلاهما يعتمد على منظومة رعاية خارجية تضمن استمرار دوره في توازنات الإقليم.
غير أن الأخطر من هذه الحقيقة هو السردية التي بُنيت حول “القوة الذاتية” لكل منهما. فهذه السردية تُخفي ضعف البنية العميقة، وتحوّل القوة المستعارة إلى أسطورة سياسية.
لقد أصبح من الواضح أن شروط القوة في الحروب الحديثة لا تقوم فقط على السلاح، بل على ثلاثة عناصر حاسمة: اقتصاد منتج، وتقدم علمي وتكنولوجي، وبنية اجتماعية قادرة على تحمل كلفة الصراع الطويل. وفي هذا الميزان تتكشف الفوارق الهائلة بين القوى العالمية الكبرى وبين القوى الإقليمية التي تُضخّمها الدعاية السياسية.
وفي ضوء ذلك يصبح اختزال المشهد في صراع إسرائيلي–إيراني تبسيطًا مضلِّلًا. فالصراع الحقيقي يدور في مستوى أوسع بكثير، يتعلق بتوازنات النظام الدولي بين الولايات المتحدة من جهة، والقوى الصاعدة مثل الصين وروسيا من جهة أخرى، وبمستقبل النظام الاقتصادي العالمي ودور الدولار فيه.
كما أن هناك بُعدًا آخر لا يقل أهمية، يتمثل في التحولات الديموغرافية والحضارية في الجنوب العالمي، حيث يمتلك العالم الإسلامي حضورًا بشريًا وثقافيًا متزايدًا قد يؤثر في موازين القوة العالمية على المدى الطويل.
لهذا تبدو كثير من النقاشات السياسية في منطقتنا أسيرة قراءة سطحية للمشهد الدولي، تختزل الصراعات الكبرى في مواجهات إقليمية محدودة، بينما الحقيقة أن ما يجري جزء من لعبة استراتيجية عالمية أعقد بكثير.
إن المعركة الحقيقية ليست فقط في ميدان القوة العسكرية، بل في ميدان السرديات التي تبرر هذه الأدوار. فعندما تنهار الأساطير التي تحيط بالقوة، يتضح أن كثيرًا من الكيانات التي تبدو قوية إنما تستمد قوتها من منظومة أوسع، وأن دورها في النهاية جزء من توازنات النظام الدولي لا أكثر.
ومن هنا فإن تفكيك هذه السرديات يظل خطوة أساسية لفهم ما يجري في الإقليم، ولتحرير الوعي السياسي من الأوهام التي تصنعها الدعاية قبل أن تصنعها الوقائع.








