اعتذار بزشكيان: حين تكشف الكلمات من يحكم إيران فعلاً
لم يكن اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الخليج مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل بدا كاشفًا لطبيعة السلطة داخل النظام الإيراني. فالتباين الواضح بين تصريحات رئيس الجمهورية وممارسات الحرس الثوري الإيراني يعكس حالة التخبط التي تعم الجهاز التنفيذي، ويشير إلى واقع بات معروفًا: القرار الحقيقي في القضايا الاستراتيجية لا يصدر عن الواجهة المدنية للنظام.
هذا التناقض بين الأقوال والأفعال يكشف خللًا بنيويًا في بنية الدولة، حيث تتعدد مراكز القرار وتتنافس المؤسسات على النفوذ. فبينما تحاول الحكومة إرسال رسائل تهدئة إلى دول الجوار، تستمر سياسات ميدانية لا تنسجم مع هذا الخطاب، الأمر الذي يجعل التصريحات الدبلوماسية بلا معنى إذا لم تقترن بتغيير فعلي في السلوك السياسي.
والحال أن الاعتذار، في منطق العلاقات الدولية، ليس مجرد كلمة. فالاعتذار يعني ضمنيًا الاعتراف بوقوع خطأ، وهو ما كان الخطاب الرسمي الإيراني ينكره طوال سنوات. وإذا كان الاعتذار اعترافًا، فإن الاعتراف يستوجب إجراءات تضمن عدم تكرار ما حدث، لا الاكتفاء ببيانات سياسية أو تعهدات لفظية.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في التصريحات، بل في السياسات التي قامت خلال العقود الماضية على تصدير الفوضى إلى الخارج تحت شعارات أيديولوجية براقة. فقد جرى تسويق هذه السياسات بوصفها مشروعًا للنفوذ والقيادة في المنطقة، لكنها في الواقع أسهمت في زعزعة الاستقرار الإقليمي واستنزاف الدولة نفسها.
فالدولة التي تعاملت طويلًا مع محيطها بمنطق الاستعلاء، انطلاقًا من تصور أنها مركز النظام والحضارة، تجد نفسها اليوم أمام صورة مغايرة: مؤسسات تتناحر على السلطة، وخطابات متناقضة بين الواجهة السياسية والذراع العسكرية الأمنية.
وهذا المشهد يكشف أن كثيرًا من السرديات التي رُوّج لها حول قوة المشروع الإقليمي للنظام الإيراني لم تكن سوى بناء سياسي هش. فالقوى التي عانت من التمييز أو من سياسات الهيمنة بدأت تدرك أن هذه المنظومة قامت على أوهام سياسية باتت تتآكل تحت ضغط الواقع.
كما أن التحولات الإقليمية الكبرى كشفت هشاشة الكثير من الخطابات التي قامت على التفوق المطلق أو على الاستعلاء الأيديولوجي. وقد شكّلت أحداث مثل عملية طوفان الأقصى لحظة فارقة في تحطيم عدد من هذه السرديات وإعادة طرح أسئلة عميقة حول مستقبل التوازنات في المنطقة.
إن السياسات القائمة على تصدير الأزمات لا يمكن أن تؤسس لاستقرار دائم. فالدول لا تُقاس بقوة خطابها ولا بسطوة شعاراتها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات متماسكة وسياسات منسجمة بين القول والفعل.
ولهذا، فإن اعتذار مسعود بزشكيان يطرح سؤالًا يتجاوز اللحظة الدبلوماسية: من يملك القرار الحقيقي في إيران؟ وهل تستطيع القيادة المدنية فرض مسار سياسي مختلف، أم أن الكلمة الأخيرة ستظل بيد الحرس الثوري الإيراني الذي يمسك بمفاصل القوة في الدولة؟
ذلك السؤال وحده كفيل بتحديد ما إذا كان الاعتذار بداية تحول حقيقي، أم مجرد محاولة عابرة لاحتواء أزمة تتكرر كلما تعارضت الكلمات مع الوقائع.

كتب عادل اسماعيل: اعتذار بزشكيان: حين تكشف الكلمات من يحكم إيران فعلاً

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب عادل اسماعيل: اعتذار بزشكيان: حين تكشف الكلمات من يحكم إيران فعلاً

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
اعتذار بزشكيان: حين تكشف الكلمات من يحكم إيران فعلاً
لم يكن اعتذار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لدول الخليج مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل بدا كاشفًا لطبيعة السلطة داخل النظام الإيراني. فالتباين الواضح بين تصريحات رئيس الجمهورية وممارسات الحرس الثوري الإيراني يعكس حالة التخبط التي تعم الجهاز التنفيذي، ويشير إلى واقع بات معروفًا: القرار الحقيقي في القضايا الاستراتيجية لا يصدر عن الواجهة المدنية للنظام.
هذا التناقض بين الأقوال والأفعال يكشف خللًا بنيويًا في بنية الدولة، حيث تتعدد مراكز القرار وتتنافس المؤسسات على النفوذ. فبينما تحاول الحكومة إرسال رسائل تهدئة إلى دول الجوار، تستمر سياسات ميدانية لا تنسجم مع هذا الخطاب، الأمر الذي يجعل التصريحات الدبلوماسية بلا معنى إذا لم تقترن بتغيير فعلي في السلوك السياسي.
والحال أن الاعتذار، في منطق العلاقات الدولية، ليس مجرد كلمة. فالاعتذار يعني ضمنيًا الاعتراف بوقوع خطأ، وهو ما كان الخطاب الرسمي الإيراني ينكره طوال سنوات. وإذا كان الاعتذار اعترافًا، فإن الاعتراف يستوجب إجراءات تضمن عدم تكرار ما حدث، لا الاكتفاء ببيانات سياسية أو تعهدات لفظية.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في التصريحات، بل في السياسات التي قامت خلال العقود الماضية على تصدير الفوضى إلى الخارج تحت شعارات أيديولوجية براقة. فقد جرى تسويق هذه السياسات بوصفها مشروعًا للنفوذ والقيادة في المنطقة، لكنها في الواقع أسهمت في زعزعة الاستقرار الإقليمي واستنزاف الدولة نفسها.
فالدولة التي تعاملت طويلًا مع محيطها بمنطق الاستعلاء، انطلاقًا من تصور أنها مركز النظام والحضارة، تجد نفسها اليوم أمام صورة مغايرة: مؤسسات تتناحر على السلطة، وخطابات متناقضة بين الواجهة السياسية والذراع العسكرية الأمنية.
وهذا المشهد يكشف أن كثيرًا من السرديات التي رُوّج لها حول قوة المشروع الإقليمي للنظام الإيراني لم تكن سوى بناء سياسي هش. فالقوى التي عانت من التمييز أو من سياسات الهيمنة بدأت تدرك أن هذه المنظومة قامت على أوهام سياسية باتت تتآكل تحت ضغط الواقع.
كما أن التحولات الإقليمية الكبرى كشفت هشاشة الكثير من الخطابات التي قامت على التفوق المطلق أو على الاستعلاء الأيديولوجي. وقد شكّلت أحداث مثل عملية طوفان الأقصى لحظة فارقة في تحطيم عدد من هذه السرديات وإعادة طرح أسئلة عميقة حول مستقبل التوازنات في المنطقة.
إن السياسات القائمة على تصدير الأزمات لا يمكن أن تؤسس لاستقرار دائم. فالدول لا تُقاس بقوة خطابها ولا بسطوة شعاراتها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات متماسكة وسياسات منسجمة بين القول والفعل.
ولهذا، فإن اعتذار مسعود بزشكيان يطرح سؤالًا يتجاوز اللحظة الدبلوماسية: من يملك القرار الحقيقي في إيران؟ وهل تستطيع القيادة المدنية فرض مسار سياسي مختلف، أم أن الكلمة الأخيرة ستظل بيد الحرس الثوري الإيراني الذي يمسك بمفاصل القوة في الدولة؟
ذلك السؤال وحده كفيل بتحديد ما إذا كان الاعتذار بداية تحول حقيقي، أم مجرد محاولة عابرة لاحتواء أزمة تتكرر كلما تعارضت الكلمات مع الوقائع.








