الإذلال المنهجي: كيف يصنع الاستبداد إنسانًا منزوع المعنى؟
يقول إريك فروم إن أخطر ما يمكن أن يُمارَس ضد الإنسان ليس القهر الجسدي، بل إقناعه بأنه تافه وعديم القيمة. فحين ينجح هذا الإقناع، لا يعود الاستبداد بحاجة إلى السجون وحدها، إذ يصبح الإنسان نفسه شريكًا في قمع ذاته، وحارسًا داخليًا لهزيمته.
هذه هي الوظيفة العميقة للإعلام حين يقع في قبضة منظومات الفساد والاستبداد. فهو لا يكتفي بتزييف الوقائع أو تضليل الرأي العام، بل يعمل بصورة منهجية على تفكيك الكرامة الإنسانية، وتحويل الإذلال إلى حالة نفسية طبيعية، بل مستحقة. عندها لا يعود المواطن طرفًا في التاريخ، بل موضوعًا يُدار ويُستخدم ويُستبدل.
الاستبداد لا يخشى الفقر بقدر ما يخشى الوعي، ولا يرتعب من الغضب بقدر ما يرتعب من النزوع النقدي. لذلك يسعى إلى إنتاج إنسان منزوع الثقة بنفسه، فاقد الإحساس بالجدوى، مقتنع بأن مصيره الهامش، وبأن التفكير المستقل ترف أو خيانة. وهنا تتقاطع قراءة فروم النفسية مع التحليل الفلسفي الذي يقدّمه أبو يعرب المرزوقي، حين يصف هذه البنية بوصفها صورة حديثة من «دين العجل»: سلطة تُؤلَّه، ونخب تتقمّص دور الوسيط بين الناس وكرامتهم، وبين المجتمع وتاريخه.
في هذا السياق، لا يكون الإعلام مجرد أداة تواصل، بل جهازًا لإعادة إنتاج العبودية الناعمة. فهو يشيطن الاختلاف، ويجرّم الاستقلال الفكري، ويحوّل النقد إلى تهمة، في مقابل تسويق الطاعة على أنها حكمة، والخضوع على أنه واقعية سياسية. وهكذا تُفرَّغ الوطنية من معناها، وتُختزل في الولاء، وتُمحى الكرامة لحساب «الاستقرار».
غير أن هذا المشروع، مهما بدا متماسكًا، يصطدم دائمًا بحقيقة أساسية: لا يمكن تدجين مجتمع لم تُكسَر روحه بعد. فالمجتمعات التي تحتفظ بذاكرتها الأخلاقية، وبقدرتها على السؤال، وبحسّها النقدي، تبقى عصيّة على التحويل إلى قطيع، مهما اشتدّ التشويه والإقصاء. إن تشويه الناس والأمكنة ليس دليل قوة، بل اعتراف مبطّن بعجز المنظومة عن احتوائهم إلا عبر نفيهم رمزيًا.
ما يعيشه لبنان اليوم ليس موت المجتمع، بل احتضار البُنى التي قامت على الإذلال والفساد والتمثيل الزائف. أما الحيوية الكامنة في الناس، فهي الدليل على أن الكرامة لم تُستأصل، بل جرى قمعها مؤقتًا. والتاريخ يعلّمنا أن القهر، حين يفشل في قتل الوعي، يتحوّل إلى وقود له.
إن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس معركة سياسية، بل ثقتنا بذواتنا. فحين نرفض صورة الدونية المفروضة علينا، نكون قد خطونا الخطوة الأولى خارج منطق الوصاية، وداخل أفق الحرية والكرامة الإنسانية.

كتب عادل اسماعيل: الإذلال المنهجي: كيف يصنع الاستبداد إنسانًا منزوع المعنى؟

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب عادل اسماعيل: الإذلال المنهجي: كيف يصنع الاستبداد إنسانًا منزوع المعنى؟

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
الإذلال المنهجي: كيف يصنع الاستبداد إنسانًا منزوع المعنى؟
يقول إريك فروم إن أخطر ما يمكن أن يُمارَس ضد الإنسان ليس القهر الجسدي، بل إقناعه بأنه تافه وعديم القيمة. فحين ينجح هذا الإقناع، لا يعود الاستبداد بحاجة إلى السجون وحدها، إذ يصبح الإنسان نفسه شريكًا في قمع ذاته، وحارسًا داخليًا لهزيمته.
هذه هي الوظيفة العميقة للإعلام حين يقع في قبضة منظومات الفساد والاستبداد. فهو لا يكتفي بتزييف الوقائع أو تضليل الرأي العام، بل يعمل بصورة منهجية على تفكيك الكرامة الإنسانية، وتحويل الإذلال إلى حالة نفسية طبيعية، بل مستحقة. عندها لا يعود المواطن طرفًا في التاريخ، بل موضوعًا يُدار ويُستخدم ويُستبدل.
الاستبداد لا يخشى الفقر بقدر ما يخشى الوعي، ولا يرتعب من الغضب بقدر ما يرتعب من النزوع النقدي. لذلك يسعى إلى إنتاج إنسان منزوع الثقة بنفسه، فاقد الإحساس بالجدوى، مقتنع بأن مصيره الهامش، وبأن التفكير المستقل ترف أو خيانة. وهنا تتقاطع قراءة فروم النفسية مع التحليل الفلسفي الذي يقدّمه أبو يعرب المرزوقي، حين يصف هذه البنية بوصفها صورة حديثة من «دين العجل»: سلطة تُؤلَّه، ونخب تتقمّص دور الوسيط بين الناس وكرامتهم، وبين المجتمع وتاريخه.
في هذا السياق، لا يكون الإعلام مجرد أداة تواصل، بل جهازًا لإعادة إنتاج العبودية الناعمة. فهو يشيطن الاختلاف، ويجرّم الاستقلال الفكري، ويحوّل النقد إلى تهمة، في مقابل تسويق الطاعة على أنها حكمة، والخضوع على أنه واقعية سياسية. وهكذا تُفرَّغ الوطنية من معناها، وتُختزل في الولاء، وتُمحى الكرامة لحساب «الاستقرار».
غير أن هذا المشروع، مهما بدا متماسكًا، يصطدم دائمًا بحقيقة أساسية: لا يمكن تدجين مجتمع لم تُكسَر روحه بعد. فالمجتمعات التي تحتفظ بذاكرتها الأخلاقية، وبقدرتها على السؤال، وبحسّها النقدي، تبقى عصيّة على التحويل إلى قطيع، مهما اشتدّ التشويه والإقصاء. إن تشويه الناس والأمكنة ليس دليل قوة، بل اعتراف مبطّن بعجز المنظومة عن احتوائهم إلا عبر نفيهم رمزيًا.
ما يعيشه لبنان اليوم ليس موت المجتمع، بل احتضار البُنى التي قامت على الإذلال والفساد والتمثيل الزائف. أما الحيوية الكامنة في الناس، فهي الدليل على أن الكرامة لم تُستأصل، بل جرى قمعها مؤقتًا. والتاريخ يعلّمنا أن القهر، حين يفشل في قتل الوعي، يتحوّل إلى وقود له.
إن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس معركة سياسية، بل ثقتنا بذواتنا. فحين نرفض صورة الدونية المفروضة علينا، نكون قد خطونا الخطوة الأولى خارج منطق الوصاية، وداخل أفق الحرية والكرامة الإنسانية.








