النظام الإيراني: من تصدير الأزمات إلى الاختناق الداخلي
لطالما بنى النظام الإيراني استراتيجيته في الحكم على معادلة مزدوجة: تصدير التوتر إلى الخارج لضبط الداخل، وافتعال صراعات إقليمية لتأجيل الانفجار الاجتماعي. وقد نجحت هذه المعادلة لعقود، لا لأنها عبّرت عن قوة بنيوية حقيقية، بل لأنها استثمرت في الخوف، وفي تشتّت المجتمع، وفي غياب لحظة كسر جماعية. غير أنّ هذه المعادلة نفسها باتت اليوم عبئًا وجوديًا على النظام.
فالمشهد الراهن لا يشبه ما سبقه. نحن أمام انهيار داخلي متراكم، اقتصاديًا واجتماعيًا وأخلاقيًا، لم تعد الأدوات القديمة قادرة على احتوائه. والمجزرة الأخيرة، بما خلّفته من أعداد هائلة من الضحايا، لم تكن حدثًا أمنيًا عابرًا، بل لحظة فاصلة عمّقت القطيعة بين الدولة والمجتمع، ودفعت قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى ما بعد الخوف.
ولفهم خطورة اللحظة، لا بدّ من العودة إلى محطات الانتفاضات السابقة.
في انتفاضة الطلبة عام 1999، كان الاحتجاج نخبويًا ومحصورًا نسبيًا في الجامعات، وسرعان ما أُخمد بالقوة، مستفيدًا من عزلة الحركة عن الريف والطبقات الشعبية.
أما الحركة الخضراء عام 2009، فقد شكّلت أول تحدٍّ جماهيري واسع لشرعية النظام الانتخابية، لكنها بقيت أسيرة خطاب إصلاحي من داخل النظام، ما سهّل تفكيكها عبر القمع والاعتقالات وتدوير النخب.
التحوّل النوعي بدأ مع انتفاضات 2017–2018، حين خرج الفقراء وسكان الأطراف بشعارات اقتصادية مباشرة، معلنين سقوط «العقد الاجتماعي» غير المكتوب القائم على الحدّ الأدنى من الرعاية مقابل الصمت السياسي. ثم جاءت انتفاضة 2019، التي واجهها النظام بعنف غير مسبوق، كاشفًا استعداده لاستخدام القتل الجماعي كأداة حكم، لا كاستثناء.
لكن الذروة تمثّلت في انتفاضة 2022، التي كسرت أحد أعمدة النظام الرمزية: السيطرة على الجسد والمجال العام. هنا لم يعد الاحتجاج اقتصاديًا أو انتخابيًا، بل وجوديًا، شاركت فيه النساء، والشباب، والأقليات، والطبقات الوسطى والدنيا معًا، في لحظة تلاقت فيها كل أشكال السخط التاريخي.
ما يميّز اللحظة الحالية عن كل ما سبق هو تراكم الانتفاضات لا انقطاعها. فالنظام لم يعد يواجه احتجاجًا يمكن عزله أو تأجيله، بل مجتمعًا يعيش حالة غليان دائمة، واقتصادًا منهكًا، ونخبة حاكمة منقسمة، وأجهزة قمع مستنزفة.
في هذا السياق، تفقد سياسة تصدير الأزمات فعاليتها. فإدارة صراع خارجي طويل الأمد، سواء عبر الوكلاء أو التوترات الإقليمية، تتطلب حدًّا أدنى من التماسك الداخلي، وهو ما لم يعد متوفرًا. بل إن كل مغامرة خارجية جديدة تزيد منسوب الغضب الداخلي بدل أن تصرف الأنظار عنه.
الخلاصة أن النظام الإيراني يقف اليوم أمام معادلة مستحيلة: لا هو قادر على العودة إلى ما قبل الانتفاضات، ولا هو قادر على الانتقال إلى صيغة حكم أقل عنفًا. ومع اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، يصبح القمع وحده لغة الحكم، ويغدو الانهيار مسألة وقت لا أكثر.

كتب عادل اسماعيل: النظام الإيراني: من تصدير الأزمات إلى الاختناق الداخلي

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب عادل اسماعيل: النظام الإيراني: من تصدير الأزمات إلى الاختناق الداخلي

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
النظام الإيراني: من تصدير الأزمات إلى الاختناق الداخلي
لطالما بنى النظام الإيراني استراتيجيته في الحكم على معادلة مزدوجة: تصدير التوتر إلى الخارج لضبط الداخل، وافتعال صراعات إقليمية لتأجيل الانفجار الاجتماعي. وقد نجحت هذه المعادلة لعقود، لا لأنها عبّرت عن قوة بنيوية حقيقية، بل لأنها استثمرت في الخوف، وفي تشتّت المجتمع، وفي غياب لحظة كسر جماعية. غير أنّ هذه المعادلة نفسها باتت اليوم عبئًا وجوديًا على النظام.
فالمشهد الراهن لا يشبه ما سبقه. نحن أمام انهيار داخلي متراكم، اقتصاديًا واجتماعيًا وأخلاقيًا، لم تعد الأدوات القديمة قادرة على احتوائه. والمجزرة الأخيرة، بما خلّفته من أعداد هائلة من الضحايا، لم تكن حدثًا أمنيًا عابرًا، بل لحظة فاصلة عمّقت القطيعة بين الدولة والمجتمع، ودفعت قطاعات واسعة من الإيرانيين إلى ما بعد الخوف.
ولفهم خطورة اللحظة، لا بدّ من العودة إلى محطات الانتفاضات السابقة.
في انتفاضة الطلبة عام 1999، كان الاحتجاج نخبويًا ومحصورًا نسبيًا في الجامعات، وسرعان ما أُخمد بالقوة، مستفيدًا من عزلة الحركة عن الريف والطبقات الشعبية.
أما الحركة الخضراء عام 2009، فقد شكّلت أول تحدٍّ جماهيري واسع لشرعية النظام الانتخابية، لكنها بقيت أسيرة خطاب إصلاحي من داخل النظام، ما سهّل تفكيكها عبر القمع والاعتقالات وتدوير النخب.
التحوّل النوعي بدأ مع انتفاضات 2017–2018، حين خرج الفقراء وسكان الأطراف بشعارات اقتصادية مباشرة، معلنين سقوط «العقد الاجتماعي» غير المكتوب القائم على الحدّ الأدنى من الرعاية مقابل الصمت السياسي. ثم جاءت انتفاضة 2019، التي واجهها النظام بعنف غير مسبوق، كاشفًا استعداده لاستخدام القتل الجماعي كأداة حكم، لا كاستثناء.
لكن الذروة تمثّلت في انتفاضة 2022، التي كسرت أحد أعمدة النظام الرمزية: السيطرة على الجسد والمجال العام. هنا لم يعد الاحتجاج اقتصاديًا أو انتخابيًا، بل وجوديًا، شاركت فيه النساء، والشباب، والأقليات، والطبقات الوسطى والدنيا معًا، في لحظة تلاقت فيها كل أشكال السخط التاريخي.
ما يميّز اللحظة الحالية عن كل ما سبق هو تراكم الانتفاضات لا انقطاعها. فالنظام لم يعد يواجه احتجاجًا يمكن عزله أو تأجيله، بل مجتمعًا يعيش حالة غليان دائمة، واقتصادًا منهكًا، ونخبة حاكمة منقسمة، وأجهزة قمع مستنزفة.
في هذا السياق، تفقد سياسة تصدير الأزمات فعاليتها. فإدارة صراع خارجي طويل الأمد، سواء عبر الوكلاء أو التوترات الإقليمية، تتطلب حدًّا أدنى من التماسك الداخلي، وهو ما لم يعد متوفرًا. بل إن كل مغامرة خارجية جديدة تزيد منسوب الغضب الداخلي بدل أن تصرف الأنظار عنه.
الخلاصة أن النظام الإيراني يقف اليوم أمام معادلة مستحيلة: لا هو قادر على العودة إلى ما قبل الانتفاضات، ولا هو قادر على الانتقال إلى صيغة حكم أقل عنفًا. ومع اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، يصبح القمع وحده لغة الحكم، ويغدو الانهيار مسألة وقت لا أكثر.








