معيار الحرية لا يتجزأ: ضد الديكتاتورية أينما كانت
ليس كل من يقف ضد ديكتاتور في فنزويلا أو إيران أو غيرهما يقف بالضرورة في صفّ الولايات المتحدة أو الصهيونية. هذا خلطٌ متعمّد بين الموقف الأخلاقي والموقع الجيوسياسي، وبين رفض الظلم والانخراط في محاور الهيمنة. فالحرية ليست ملكًا لمعسكر، والعدالة لا تُقاس بالبوصلة الأميركية.
لا خلاف على أن ما أقدم عليه دونالد ترامب بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يُعدّ فعل قرصنة سياسية واختطافًا مُدانًا في كل الشرائع والقوانين. غير أن إدانة هذا الفعل لا تعني تبرئة مادورو من مسؤوليته عن إفقار فنزويلا وقمع شعبها. فالدفاع عن السيادة لا يمنح الحاكم صكّ براءة من الاستبداد، ولا يحوّل الطاغية إلى بطل لمجرد رفعه شعارات «ممانِعة».
إن دعم مادورو لغزة أو فلسطين لا يجعله قائدًا عظيمًا، تمامًا كما أن رفع أي زعيم لشعار «مواجهة الإمبريالية» لا يعفيه من المحاسبة الداخلية. المعيار الوحيد العادل للحكم على أي قائد هو علاقته بشعبه: مدى قربه منهم، ومدى تحقيقه للعدل والحرية والكرامة في بلده. أما ما سوى ذلك، فليس إلا توظيفًا عاطفيًا للقضايا الكبرى لتغطية الفشل والقمع.
وقد قدّم مادورو مثالًا صارخًا على هذا الانفصام الأخلاقي حين وصف بشار الأسد بـ«القائد الشجاع والمناضل»، في الوقت الذي كان فيه النظام السوري يدمّر المدن فوق رؤوس أهلها، ويقصف شعبه بالبراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي. هنا تتكشّف حقيقة ما يُسمّى «محور المقاومة»: تحالف طغاة يتبادلون الشرعية، لا مشروعًا تحرريًا كما يُروَّج.
الأمر ذاته ينطبق على النظام الإيراني، الذي يدفع اليوم ثمن سجلّ طويل من المظالم داخل بلاده وخارجها. فالاحتجاجات الشعبية الواسعة التي تشهدها مدن إيرانية ليست مؤامرة خارجية بقدر ما هي انفجار تراكمات القمع والفقر واحتكار السلطة باسم الدين. إنها، إن جاز التعبير، مكر التاريخ… أو مكر العدالة.
لقد أسهم هذا النظام، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مآسٍ كبرى شهدتها دول عربية عدة، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. وحين يُسأل اليوم: هل ينبغي دعم النظام الإيراني لأنه «مستهدف من مؤامرة صهيو/أميركية» كما يزعم أنصاره؟ أم الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني الذي عانى طويلًا من ديكتاتورية الملالي؟ فإن المنطق السليم يفرض جوابًا واضحًا: الوقوف مع الشعوب، لا مع الأنظمة.
إن الوقوف ضد نظام طائفي استبدادي لا يعني الارتهان للخارج، بل هو دفاع عن حق الإنسان في الحرية والكرامة، أينما كان. ولعل في سقوط مثل هذه الأنظمة فرصة لتحرر شعوبها أولًا، ولتحرر شعوب أخرى دفعت أثمانًا باهظة لسياساتها ثانيًا.
فذاكرة الشعوب ليست قصيرة، والتاريخ لا يُغلق ملفاته بسهولة. وكل ظلم، مهما طال أمده، لا بد أن يُفتح حسابه يومًا. وفي ذلك، وحده، يكمن معنى العدالة.

كتب عادل اسماعيل: معيار الحرية لا يتجزأ: ضد الديكتاتورية أينما كانت

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
كتب عادل اسماعيل: معيار الحرية لا يتجزأ: ضد الديكتاتورية أينما كانت

عادل اسماعيل
·2 د قراءة
تم نسخ الرابط
معيار الحرية لا يتجزأ: ضد الديكتاتورية أينما كانت
ليس كل من يقف ضد ديكتاتور في فنزويلا أو إيران أو غيرهما يقف بالضرورة في صفّ الولايات المتحدة أو الصهيونية. هذا خلطٌ متعمّد بين الموقف الأخلاقي والموقع الجيوسياسي، وبين رفض الظلم والانخراط في محاور الهيمنة. فالحرية ليست ملكًا لمعسكر، والعدالة لا تُقاس بالبوصلة الأميركية.
لا خلاف على أن ما أقدم عليه دونالد ترامب بحق الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يُعدّ فعل قرصنة سياسية واختطافًا مُدانًا في كل الشرائع والقوانين. غير أن إدانة هذا الفعل لا تعني تبرئة مادورو من مسؤوليته عن إفقار فنزويلا وقمع شعبها. فالدفاع عن السيادة لا يمنح الحاكم صكّ براءة من الاستبداد، ولا يحوّل الطاغية إلى بطل لمجرد رفعه شعارات «ممانِعة».
إن دعم مادورو لغزة أو فلسطين لا يجعله قائدًا عظيمًا، تمامًا كما أن رفع أي زعيم لشعار «مواجهة الإمبريالية» لا يعفيه من المحاسبة الداخلية. المعيار الوحيد العادل للحكم على أي قائد هو علاقته بشعبه: مدى قربه منهم، ومدى تحقيقه للعدل والحرية والكرامة في بلده. أما ما سوى ذلك، فليس إلا توظيفًا عاطفيًا للقضايا الكبرى لتغطية الفشل والقمع.
وقد قدّم مادورو مثالًا صارخًا على هذا الانفصام الأخلاقي حين وصف بشار الأسد بـ«القائد الشجاع والمناضل»، في الوقت الذي كان فيه النظام السوري يدمّر المدن فوق رؤوس أهلها، ويقصف شعبه بالبراميل المتفجرة والسلاح الكيماوي. هنا تتكشّف حقيقة ما يُسمّى «محور المقاومة»: تحالف طغاة يتبادلون الشرعية، لا مشروعًا تحرريًا كما يُروَّج.
الأمر ذاته ينطبق على النظام الإيراني، الذي يدفع اليوم ثمن سجلّ طويل من المظالم داخل بلاده وخارجها. فالاحتجاجات الشعبية الواسعة التي تشهدها مدن إيرانية ليست مؤامرة خارجية بقدر ما هي انفجار تراكمات القمع والفقر واحتكار السلطة باسم الدين. إنها، إن جاز التعبير، مكر التاريخ… أو مكر العدالة.
لقد أسهم هذا النظام، بشكل مباشر أو غير مباشر، في مآسٍ كبرى شهدتها دول عربية عدة، من العراق إلى سوريا ولبنان واليمن. وحين يُسأل اليوم: هل ينبغي دعم النظام الإيراني لأنه «مستهدف من مؤامرة صهيو/أميركية» كما يزعم أنصاره؟ أم الوقوف إلى جانب الشعب الإيراني الذي عانى طويلًا من ديكتاتورية الملالي؟ فإن المنطق السليم يفرض جوابًا واضحًا: الوقوف مع الشعوب، لا مع الأنظمة.
إن الوقوف ضد نظام طائفي استبدادي لا يعني الارتهان للخارج، بل هو دفاع عن حق الإنسان في الحرية والكرامة، أينما كان. ولعل في سقوط مثل هذه الأنظمة فرصة لتحرر شعوبها أولًا، ولتحرر شعوب أخرى دفعت أثمانًا باهظة لسياساتها ثانيًا.
فذاكرة الشعوب ليست قصيرة، والتاريخ لا يُغلق ملفاته بسهولة. وكل ظلم، مهما طال أمده، لا بد أن يُفتح حسابه يومًا. وفي ذلك، وحده، يكمن معنى العدالة.








