في كل مرة يعتقد فيها اللبناني أن الشارع قد يكون أكثر أماناً، تأتي حادثة جديدة لتعيد المخاوف إلى الواجهة. إطلاق نار، إشكال يتطور بسرعة، سرقات على الطرقات، وعمليات تشليح تقع حتى في مناطق يفترض أن تكون بعيدة عن مظاهر الفوضى الأمنية. المشهد لم يعد مرتبطاً بحادثة منفردة، بل بتكرار حوادث تثير قلق المواطنين وتدفعهم إلى التساؤل عن مدى قدرتهم على التحرك بأمان في مدنهم ومناطقهم.
اليوم، شهدت منطقة الكولا حادثة إطلاق نار من داخل سيارة باتجاه مقهى لأسباب لا تزال مجهولة، ما أدى إلى وقوع إصابات. حادثة جديدة تضاف إلى سلسلة من الوقائع الأمنية التي شهدتها العاصمة ومحيطها خلال الفترة الأخيرة.
وقبلها، شهدت منطقة برج أبي حيدر إشكالاً تطور إلى إطلاق نار بين أفراد من عائلتين، ما أدى إلى سقوط ضحيتين وعدد من الجرحى، في مشهد يعيد إلى الواجهة خطورة تحول الخلافات الفردية إلى مواجهات مسلحة داخل الأحياء السكنية.
ولا تقتصر المخاوف على الإشكالات وإطلاق النار، إذ تتكرر أيضاً حوادث السرقة والتشليح، ولا سيما على بعض الطرقات في مناطق مثل المكار وخلدة، إضافة إلى سرقات تقع ليلاً وفي مناطق مختلفة من بيروت. ومع تكرار هذه الحوادث، يشعر المواطن بأن الخطر لم يعد محصوراً في منطقة معينة أو بوقت محدد.
المشكلة لا تكمن فقط في وقوع الحادثة، بل في الأثر الذي تتركه على حياة الناس اليومية. فالمواطن الذي يريد الخروج لتناول القهوة، أو العودة إلى منزله ليلاً، أو السماح لأبنائه بالخروج مع أصدقائهم، بات يفكر أكثر من مرة في الطريق والوقت والمنطقة، خشية أن يجد نفسه في المكان الخطأ في اللحظة الخطأ.
وهنا تبرز الحاجة إلى تعزيز الانتشار الأمني في المناطق التي تسجل تكراراً للحوادث، وتكثيف الدوريات، خصوصاً في النقاط التي تشهد شكاوى متكررة من السرقات والتشليح أو الإشكالات المسلحة. فالوجود الأمني الفعّال لا يقتصر دوره على ضبط الحوادث بعد وقوعها، بل يشكل أيضاً عاملاً رادعاً ويساعد على استعادة شعور الناس بالأمان.
المطلوب ليس تحويل كل شارع إلى نقطة أمنية، ولا التعامل مع كل حادثة وكأنها مؤشر على انهيار شامل، لكن تكرار الوقائع يستدعي معالجة جدية ووقائية، تقوم على معرفة المناطق الأكثر عرضة للحوادث وتوجيه الموارد الأمنية إليها بشكل أكبر.
فاللبناني لا يريد الكثير. يريد أن يخرج من منزله ويعود إليه بأمان، أن يجلس في مقهى من دون أن يخشى رصاصة طائشة، وأن يسلك طريقه ليلاً من دون أن يصبح هدفاً لعملية تشليح أو سرقة.
وفي بلد أنهكته الأزمات، لا يمكن أن يصبح الخوف جزءاً من الحياة اليومية. والسؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم ليس فقط: من يقف خلف هذه الحوادث؟ بل أيضاً: إلى متى سيبقى المواطن مضطراً إلى حساب خطواته وطرقه ومواعيده خوفاً من حادث أمني؟
هل نحن أمام بلد يعيش فيه المواطن بأمان، أم أمام واقع يُترك فيه الشارع أحياناً لمن يملك السلاح أو يقرر خوض خلافه في الأماكن العامة؟










