نقلًا عن معهد واشنطن – ديفيد شينكر
هل يقترب المشرق من نهاية الميليشيات؟
مشرق بلا ميليشيات؟
للمرة الأولى، يبدو أن المنطقة تسير على طريق تهميش الميليشيات وجني فوائد الاستقرار المحتملة، رغم استمرار عقبات كبيرة.
عندما انهار نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، كان يسيطر على 60% فقط من الأراضي السورية. ومنذ توليه السلطة في يناير 2025، سعى الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع إلى بسط سلطة الدولة ونزع سلاح الميليشيات التي انتشرت خلال 14 عامًا من الانتفاضة.
وفي يناير الماضي، هاجمت قوات الحكومة السورية “قوات سوريا الديمقراطية” ذات القيادة الكردية، التي كانت منذ 2013 الشريك المحلي للولايات المتحدة في مكافحة داعش. وبعد أسابيع من القتال، تمكنت الحكومة من السيطرة على معظم مناطق شمال شرق سوريا، منهيةً الحكم الذاتي هناك، ومجبرةً هذه القوات على الموافقة على الاندماج في الجيش الوطني.
ورغم الجدل الذي أثارته هذه الخطوة، فإن الميليشيات لطالما زعزعت استقرار دول الشرق الأوسط. واليوم، ولأول مرة، يبدو أن المنطقة تتجه عمومًا نحو التخلص منها. ففي مايو 2025، وافق حزب العمال الكردستاني على نزع سلاحه. ومنذ ذلك الحين، قادت واشنطن جهودًا دبلوماسية لفرض واقع ما بعد “حماس” في غزة، ودعمت حملة الشرع لدمج “قسد”، وركزت على تفكيك ميليشيات إيران في لبنان والعراق.
ورغم انتقادات الرئيس ترامب السابقة لمشاريع بناء الدول، فإن سياساته الحالية قد تمهد لبناء دول مستقرة وذات سيادة، وإن لم تكن ديمقراطية.
⸻
بعض التقدم في لبنان
كان “حزب الله” أول أهداف الإدارة الأميركية. وبعد الحملة العسكرية الإسرائيلية المدمرة أواخر 2024، بدا الحزب أضعف من أي وقت مضى.
وكان لبنان قد التزم باتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل في 27 نوفمبر 2024، والذي ينص على نزع سلاح الميليشيات في كامل البلاد. كما أدى سقوط نظام الأسد إلى قطع طريق إمداد أساسي للسلاح الإيراني.
وفي أوائل 2025، انتُخب رئيس جديد هو جوزاف عون، وتشكّلت حكومة برئاسة نواف سلام، وكلاهما أبدى استعدادًا لمعالجة ملف سلاح حزب الله.
ضغطت إدارة ترامب على بيروت لتنفيذ التزاماتها، عبر مبعوثين مثل مورغان أورتاغوس وتوم باراك. لكن الرئيس عون، خوفًا من رد فعل عنيف، فضّل الحوار مع الحزب، وهو نهج فشل مرارًا خلال العقدين الماضيين.
وبعد سبعة أشهر من التردد، هدّد باراك في أغسطس 2025 بالانسحاب إذا لم تُقدّم خطة لنزع السلاح. وفي سبتمبر، أقرّت الحكومة خطة الجيش، وبدأ الانتشار جنوبًا.
لكن التقدم بقي بطيئًا. فالجيش اللبناني، تفاديًا للمواجهة، لم يكن حازمًا بما يكفي. ورغم مصادرة نحو 10 آلاف صاروخ و400 صاروخ موجه، إلا أن إسرائيل تعتبر ذلك جزءًا بسيطًا من الترسانة.
وفي موازاة ذلك، واصلت إسرائيل عملياتها الجوية والبرية، حيث أعلنت قتل أكثر من 370 عنصرًا من الحزب في 1200 عملية خلال عام واحد. وتدعم واشنطن هذه العمليات أو تتغاضى عنها، ما يحدّ من قدرة الحزب على إعادة التسلح ويدفع الجيش اللبناني للاستمرار.
⸻
خطوة أولى في سوريا
حققت سوريا تقدمًا أكبر نسبيًا. فقد دعمت واشنطن تفكيك “قسد” والمساعدة في دمجها ضمن الدولة، في خطوة لتعزيز السيادة.
ورغم الدور الحاسم لهذه القوات في هزيمة داعش، فإن وجودها المستقل لم يعد مبررًا بعد سقوط الأسد.
لكن لا تزال هناك تحديات كبيرة:
فالجيش السوري الجديد قد لا يكون قادرًا على ملء الفراغ، خاصة بعد إطلاق آلاف المعتقلين المرتبطين بداعش. كما أن التنظيم لا يزال نشطًا، حيث قتلت أو اعتقلت القوات الأميركية أكثر من 50 عنصرًا بين ديسمبر 2025 ويناير 2026.
كما أن “قسد” ليست الميليشيا الوحيدة. فالدروز لديهم تشكيلاتهم، والعلويون يحتفظون بميليشيات مثل “درع الساحل”، إضافة إلى فصائل مرتبطة بتركيا، وأخرى مدعومة من إيران داخل الأراضي السورية.
وبالتالي، لا يزال الطريق طويلًا أمام استعادة الدولة سيادتها الكاملة.
⸻
الملف العراقي
في العراق، لم يتحقق تقدم يُذكر.
فـ”الحشد الشعبي”، الذي تأسس عام 2014، يضم أكثر من 70 فصيلًا و238 ألف مقاتل، بميزانية سنوية تبلغ 3.6 مليار دولار، ويشمل جماعات موالية لإيران مصنفة إرهابية.
عارضت واشنطن محاولات تقنين وضع الحشد، وفرضت عقوبات على بعض فصائله، ودعت إلى نزع سلاحه. كما حذّر ترامب من عودة نوري المالكي إلى الحكم.
لكن رغم الضغوط، لا يزال الحشد قائمًا ويتلقى دعمًا حكوميًا، بل وهددت بعض فصائله القوات الأميركية.
مع ذلك، بدأ النقاش الداخلي يتصاعد. فقد دعا وزير الخارجية فؤاد حسين إلى دمج هذه الفصائل ضمن الدولة، كما تحدث مسؤولون آخرون عن ضرورة حصر السلاح بيد الدولة. وحتى بعض قادة الحشد أبدوا استعدادًا نظريًا لذلك، رغم أن تنفيذه يبدو صعبًا بسبب ارتباطهم بطهران.
⸻
الخلاصة
رغم الجدل حول أولويات الحكومة السورية، فإن استراتيجية تقليص نفوذ الميليشيات تبدو منطقية لتعزيز الاستقرار والسيادة.
لكن التحديات تختلف بين الدول:
• في سوريا: المخاوف الطائفية وغياب الثقة تعيق الاندماج.
• في لبنان والعراق: المشكلة أعمق، إذ تتعلق بميليشيات مرتبطة أيديولوجيًا بإيران.
وفي النهاية، لا يمكن إضعاف هذه الجماعات دون مواجهة النفوذ الإيراني نفسه، الذي يبقى العامل الحاسم في مستقبل المنطقة.








