قدّرت دراسة إسرائيلية قيمة الأسلحة والمعدات التي قدّمتها إيران إلى حزب الله بنحو 129 مليون دولار خلال عام 2024، في مؤشر إلى حجم الإسناد العسكري الذي وفّرته طهران للحزب، وإلى مدى ارتباط قدرته التسليحية بالتدفقات الإيرانية.
لكن السؤال الذي تطرحه المعطيات اليوم يتجاوز حجم ما حصل عليه الحزب في الماضي: هل تستطيع إيران الحفاظ على مستوى الدعم نفسه في ظل تداعيات الحرب، وتشديد العقوبات، وتضييق الخناق على صادراتها النفطية وشبكاتها المالية؟
وبحسب الدراسة، بلغت القيمة الإجمالية للأسلحة التي حصل عليها الحزب خلال العام المذكور نحو 157 مليون دولار، ساهمت إيران منها بـ129 مليوناً على شكل أسلحة ومعدات، فيما تكفّل الحزب بنحو 28 مليون دولار نقداً لتغطية احتياجات أخرى. وتعكس هذه الأرقام، وفق تقديرات الدراسة، حجم الموارد التي جرى توظيفها في بناء الترسانة العسكرية للحزب وتعزيز قدراته القتالية.
ولا تقتصر هذه الترسانة على الصواريخ وحدها، بل تشمل منظومات متعددة، من صواريخ «كاتيوشا» و«فلق» و«بركان»، إلى الصواريخ المضادة للدبابات، والطائرات المسيّرة، والذخائر، وأنظمة الدفاع الجوي. وتقدّر الدراسة أن الحزب حصل خلال عام 2024 على ما بين 4,500 و6,500 صاروخ وقذيفة، بينها نحو 4,000 صاروخ من طراز «كاتيوشا».
غير أن هذه الأرقام لا تمثّل جرداً رسمياً أو حصيلة موثّقة بصورة مستقلة. فعمليات شراء الأسلحة ونقلها وتسليمها تجري في إطار شديد السرية، فيما تستند التقديرات إلى المعلومات المتاحة، وإلى حسابات تتصل بمعدلات استهلاك الترسانة وتجديدها، فضلاً عن القدرة الإيرانية على التصنيع والتوريد.
لكن السلاح لا يمثّل سوى جانب واحد من منظومة الدعم الإيراني. فبحسب ما أعلنته واشنطن، حوّلت إيران نحو مليار دولار إلى حزب الله خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، وهو رقم يسلّط الضوء على الدور المحوري للتمويل في الحفاظ على البنية التنظيمية والعسكرية للحزب، وتأمين احتياجاته التي لا تقتصر على شراء الأسلحة والذخائر.
في المقابل، تواجه طهران ضغوطاً متزايدة على مواردها المالية، في ظل العقوبات الأميركية والقيود المفروضة على صادراتها النفطية، بالتوازي مع استهداف الشبكات المالية المستخدمة في تحويل الأموال إلى الحزب. وفي هذا السياق، تكثّف واشنطن ضغوطها على لبنان لتعطيل قنوات التمويل التي تقول إنها تُستخدم في دعم حزب الله، بما يضيف بُعداً مالياً ومصرفياً إلى المواجهة الدائرة حول قدراته العسكرية.
تكمن أهمية هذه المعطيات في أنها تكشف حجم الدعم الذي تلقّاه حزب الله في مراحل سابقة، لكنها لا تقدّم، في المقابل، صورة دقيقة عن حجم ترسانته الحالية أو ما تبقّى لديه من موارد. فالفارق كبير بين تقدير ما جرى توريده في الماضي وتحديد ما لا يزال متاحاً اليوم، كما أن قيمة الدعم السابق لا تكفي وحدها للحكم على قدرة إيران على مواصلة الإمداد بالمستوى نفسه.
لقد استندت القوة العسكرية لحزب الله، إلى حدّ بعيد، إلى شبكة دعم إيرانية وفّرت له السلاح والمال والقدرة على تعويض جزء من خسائره. غير أن استمرار هذه المعادلة يفترض توافر موارد مالية مستقرة، وخطوط إمداد قابلة للعمل، وقدرة على نقل الأسلحة وتجديد المخزون، وهي شروط بات تحقيقها أكثر تعقيداً في ظل الضغوط الراهنة.
فالترسانة، مهما بلغ حجمها، ليست مخزوناً ثابتاً يمكن التعويل عليه إلى ما لا نهاية. إذ إن استخدامها في المواجهات يستنزف الصواريخ والذخائر، فيما يتطلب تعويض المستهلك منها تمويلاً وتصنيعاً ونقلاً وإمداداً منتظماً. وكلما طال أمد القيود المفروضة على إيران، ازدادت صعوبة الحفاظ على هذه الدورة بالوتيرة السابقة.
وفي حال استمر الضغط على الموارد الإيرانية وشبكات التمويل، فقد يجد الحزب نفسه مضطراً إلى الاعتماد بدرجة أكبر على مخزونه المتبقي، أو البحث عن مصادر بديلة لتعويض النقص، وإن كانت هذه البدائل قد لا توفّر الحجم نفسه من الدعم أو درجة الانتظام ذاتها.
وعليه، فإن التحدي الذي يواجه حزب الله لا يتصل فقط بما يملكه من أسلحة في الوقت الراهن، بل أيضاً بقدرته على تجديدها والحفاظ على تدفق الأموال اللازمة لاستمرار بنيته العسكرية. فالدعم الإيراني، الذي شكّل إحدى ركائز قوته، قد يتحول تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والعقوبات إلى أحد أبرز محددات قدرته على الصمود والاستمرار. وبين ما راكمه الحزب في سنوات الدعم المفتوح وما يمكن لطهران توفيره في المرحلة المقبلة، يتحدد جانب أساسي من مستقبل قوته العسكرية.











