لوّح الحرس الثوري الإيراني بإخضاع كابلات الألياف الضوئية البحرية العابرة لمضيق هرمز إلى "نظام تصاريح"، في خطوة تفتح الباب أمام تصعيد جديد في مساعي طهران لفرض نفوذها على أحد أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم، حيث تتقاطع طرق إمدادات الطاقة والتجارة الدولية مع بنية تحتية حيوية للاتصالات الرقمية.
ولا يقتصر القلق على احتمال تعطيل حركة البيانات في منطقة الخليج، بل يمتد إلى تداعيات أي قيود محتملة على عمليات صيانة الكابلات وإصلاحها، وما قد يترتب عليها من اضطرابات في الاتصالات والخدمات المالية والاتصال الحكومي. لكن إلى أي مدى تستطيع إيران تنفيذ هذه التهديدات؟ وما الكابلات التي تعبر المضيق؟ وهل تمتلك طهران أساساً قانونياً لفرض تصاريح أو رسوم على مرورها؟
يضم مضيق هرمز، إلى جانب أهميته الاستثنائية في حركة الملاحة البحرية وإمدادات الطاقة، مسارات لكابلات اتصالات بحرية تربط دول الخليج بشبكات الإنترنت العالمية، وتتيح نقل كميات هائلة من البيانات بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.
ومن أبرز هذه الكابلات فرع من نظام AAE-1، وهو اختصار لشبكة "آسيا–أفريقيا–أوروبا 1"، التي تربط مناطق آسيوية بأوروبا عبر الشرق الأوسط، وتمتد بين هونغ كونغ وفرنسا مروراً بمصر.
كما يعبر المضيق كابل "فالكون" (FALCON) وكابل :غولف بريدج" (Gulf Bridge)، اللذان يربطان دول الخليج، بما فيها إيران، بشبكات اتصالات دولية تمتد إلى الهند وشرق أفريقيا وصولاً إلى مصر.
وتنقل هذه البنية التحتية طيفاً واسعاً من البيانات، يشمل مقاطع الفيديو ورسائل البريد الإلكتروني ومحتوى منصات التواصل الاجتماعي، فضلاً عن المعاملات المالية والاتصالات الحكومية. ونقلت وكالة فرانس برس عن آلان مولدين، مدير الأبحاث في شركة "تيليجيوغرافي" المتخصصة في بيانات الاتصالات العالمية، أن هذه الكابلات تتولى نقل مختلف أنواع البيانات التي تعتمد عليها الخدمات الرقمية الحديثة.
ومع ذلك، فإن تعطل أحد هذه المسارات لا يعني بالضرورة حدوث اضطراب عالمي واسع النطاق. فبحسب مولدين، لا تمر حركة البيانات الرئيسية بين أوروبا وآسيا عبر فرع كابل AAE-1 الموجود في المضيق، كما أن دول الخليج التي تعتمد على الكابلات البحرية في المنطقة تمتلك بدائل أخرى للاتصالات الدولية.
لكن وجود هذه البدائل لا يلغي المخاطر، إذ قد تتفاوت قدرتها على استيعاب حركة البيانات الإضافية في حال تعطل أحد المسارات الرئيسية أو تعذر استخدامه.
وتبرز قطر ضمن الدول التي قد تتأثر بصورة مباشرة بأي اضطراب يصيب فرع AAE-1، نظراً إلى مروره عبر مضيق هرمز في طريقه إلى الدوحة.
وفي تحليل نشره في مارس/آذار، حذّر مولدين من أن شبكات الاتصالات الأرضية في الخليج قد لا تمتلك السعة الكافية لاستيعاب حركة البيانات التي ستُحوّل إليها بالكامل إذا تضررت أنظمة الكابلات البحرية في المنطقة. وهو ما يعني أن وجود مسارات بديلة لا يضمن بالضرورة تفادي التباطؤ أو الاضطرابات، خصوصاً إذا تزامنت الأعطال أو طالت مدة الإصلاح.
تنبع خطورة التهديد الإيراني من طبيعة مضيق هرمز الجغرافية، فضلاً عن القدرات العسكرية التي لا تزال طهران تحتفظ بها في المنطقة.
ويصف إريك لافو، الضابط السابق رفيع المستوى في البحرية الفرنسية، المضيق بأنه منطقة جغرافية ضيقة ومحدودة، تتسم بعمق مائي ليس كبيراً نسبياً، وهي ظروف تجعلها ملائمة لعمليات المضايقة والضغط على حركة الملاحة والبنية التحتية الموجودة في مياهها.
ويشير لافو إلى أن القوات الأميركية لم تتمكن من منع إيران بصورة كاملة من تنفيذ عمليات انطلاقاً من شريطها الساحلي الطويل على الخليج، مؤكداً أن طهران لا تزال تمتلك قدرات عسكرية يمكن توظيفها لتهديد المصالح البحرية في المنطقة.
ولا تقتصر هذه المخاطر على استهداف الكابلات نفسها أو إلحاق أضرار مادية بها، بل تشمل أيضاً عرقلة عمليات مدّ كابلات جديدة أو منع الشركات المشغلة من تنفيذ أعمال الصيانة والإصلاح اللازمة لضمان استمرار الخدمة.
ويحذّر لافو من أن إلحاق الضرر بالكابلات سيجعل إصلاحها ضرورة ملحّة، لكن الوصول إلى مواقع الأعطال قد يتحول بدوره إلى تحدٍ أمني ولوجستي إذا كانت السفن الفنية العاملة في المنطقة عرضة للمضايقة أو الاستهداف.
على الرغم من الأهمية الاستراتيجية للكابلات البحرية، فإن تعرضها للأعطال ليس أمراً نادراً. فمعظم الحوادث المسجلة عالمياً تنتج عن أسباب عرضية، من بينها إلقاء مراسي السفن فوق مسارات الكابلات أو أنشطة الصيد البحري.
وبحسب البيانات التي أوردها مولدين نقلاً عن اللجنة الدولية لحماية الكابلات، يُسجَّل نحو 200 حادث سنوياً على مستوى العالم.
وللتعامل مع هذه الأعطال، تعتمد الصناعة على أسطول من سفن الإصلاح المتخصصة، المجهزة لتحديد مواقع الخلل والتدخل في أسرع وقت ممكن، بهدف إعادة الكابلات إلى الخدمة والحد من انقطاع الاتصالات.
غير أن هذه العمليات تتطلب موافقات وإجراءات تنظيمية، ولا سيما عندما تضطر السفن إلى دخول المياه التي وقع فيها العطل أو البقاء في الموقع فترة تكفي لإنجاز الإصلاحات. وفي مناطق التوتر العسكري، يمكن أن تتحول هذه المتطلبات إلى وسيلة ضغط، سواء عبر تأخير التصاريح أو فرض قيود على حركة السفن أو تعريض فرق الصيانة لمخاطر أمنية.
وفي الخليج، تتولى شركة "إي-مارين" الإماراتية أعمال صيانة الكابلات البحرية، وفق ما أورده مولدين في مقاله المنشور في مارس/آذار. وتشغّل الشركة خمسة سفن متخصصة، غير أن سفينة واحدة فقط كانت موجودة في الخليج، فيما تنتشر السفن الأخرى في البحر الأحمر والمحيط الهندي، بحسب بيانات موقع "مارين ترافيك".
ويعني ذلك أن أي عوائق تحول دون وصول سفن الإصلاح إلى مواقع الأعطال قد تؤدي إلى إطالة زمن انقطاع الكابلات، حتى في الحالات التي لا تتعرض فيها البنية التحتية لأضرار واسعة النطاق. فالمشكلة لا تكمن في قطع الكابل فحسب، بل أيضاً في القدرة على الوصول إليه وإصلاحه واستعادة تشغيله من دون تأخير.
يثير التهديد الإيراني تساؤلات قانونية بشأن طبيعة القيود التي تعتزم طهران فرضها، والجهات التي قد تشملها هذه الإجراءات: هل هي الشركات المسؤولة عن مدّ الكابلات، أم مالكوها ومشغلوها، أم السفن التي تتولى صيانتها وإصلاحها؟
ولا تزال تفاصيل الآلية التي تحدثت عنها إيران غير واضحة، لكن جوهر المسألة يتعلق بحدود سلطة الدولة الساحلية على الكابلات البحرية، وبمدى قدرتها على تنظيم مرورها أو فرض رسوم على استخدامها.
ويوضح مولدين أن مدّ الكابلات داخل المياه الإقليمية للدول يتطلب الحصول على تصاريح. إلا أنه أشار إلى أن الكابلات العابرة لمضيق هرمز جرى مدّها في المياه العُمانية عند مرورها عبر المنطقة، في ضوء الخلافات المزمنة مع إيران.
وفي المقابل، شددت طهران، في تصريحاتها التي لوّحت خلالها بإخضاع الكابلات لنظام تصاريح، على ما وصفته بـ"السيادة المطلقة" على قاع البحر وباطنه داخل مياهها الإقليمية.
لكن هذا الطرح يصطدم بمبادئ القانون الدولي للبحار، التي تميّز بين حقوق الدولة الساحلية في مياهها الإقليمية وحقوق الدول الأخرى في مدّ الكابلات البحرية واستخدامها خارج تلك المياه.
ويرى لافو أن إيران تحاول توظيف الأطر القانونية الدولية في سياق الضغط الاستراتيجي، مشيراً إلى أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 لا تمنح الدول الساحلية، في الظروف العادية، حق فرض رسوم على السفن لمجرد عبورها، وهو مبدأ يرى أنه ينطبق أيضاً على الكابلات البحرية.
وتنص الاتفاقية على إتاحة مدّ الكابلات وخطوط الأنابيب البحرية في المناطق الاقتصادية الخالصة للدول، التي قد تمتد إلى مسافة 200 ميل بحري من السواحل، أي نحو 370 كيلومتراً، مع مراعاة الأحكام والشروط ذات الصلة.
وبحسب لافو، لا تملك الدولة الساحلية، من حيث المبدأ، حرية مطلقة في الاعتراض على مدّ الكابلات في هذه المناطق، وإن كانت التفاصيل القانونية تختلف باختلاف النطاق البحري وطبيعة النشاط المعني.
وتبرز هنا نقطة قانونية إضافية؛ فعلى الرغم من توقيع إيران على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، فإنها لم تصادق عليها، وكذلك الولايات المتحدة. ويثير هذا الواقع تساؤلات بشأن الإطار القانوني الذي يمكن الاستناد إليه في أي نزاع محتمل، وإن كان عدم التصديق لا يعني بالضرورة غياب كل القواعد الدولية ذات الصلة، إذ قد تنطبق بعض أحكام القانون الدولي العرفي بصورة مستقلة عن الاتفاقية.
ويحذّر لافو من أن التشكيك في القواعد التي تنظّم حرية مدّ الكابلات البحرية قد يفتح الباب أمام تآكل أحد المرتكزات الأساسية للقانون الدولي، في وقت تتزايد فيه أهمية البنية التحتية الرقمية للاقتصاد العالمي والأمن القومي للدول.
تكشف التهديدات الإيرانية عن اتساع نطاق أدوات الضغط المرتبطة بمضيق هرمز، بحيث لا تعود محصورة في ناقلات النفط وحركة التجارة البحرية، بل تمتد إلى البنية التحتية الرقمية التي تقوم عليها الاتصالات والخدمات المالية والأنشطة الحكومية.
ومع أن المعطيات المتاحة لا تشير إلى أن تعطل الكابلات العابرة للمضيق سيؤدي حتماً إلى انقطاع واسع للإنترنت على مستوى العالم، فإن المخاطر الأكثر ترجيحاً تتمثل في اضطرابات إقليمية، وارتفاع الضغط على المسارات البديلة، وتأخر عمليات الصيانة والإصلاح في حال تصاعد التوترات الأمنية.
وتكمن خطورة التلويح بنظام تصاريح في أنه قد يمنح طهران أداة ضغط إضافية، حتى من دون اللجوء إلى تدمير الكابلات أو قطعها بصورة مباشرة. فمجرد تعقيد إجراءات الصيانة أو تأخير وصول السفن المتخصصة قد يكون كافياً لإطالة أمد الأعطال ورفع كلفتها.
وفي عالم يعتمد بصورة متزايدة على تدفق البيانات بلا انقطاع، لا تقل أهمية الكابلات البحرية عن أهمية الممرات التي تنقل الطاقة والبضائع. ومن هنا، فإن أي محاولة لفرض قيود أحادية على هذه الشبكات لن تكون مجرد نزاع تقني أو تنظيمي، بل اختباراً جديداً لقدرة القانون الدولي على حماية البنية التحتية العابرة للحدود من التحول إلى ورقة مساومة في الصراعات الجيوسياسية.













