هل دخل إعلام "الممانعة" مرحلة الانكفاء القسري؟
في لحظة يعلو فيها صوت الميدان على ما عداه، تبدو الساحة الإعلامية في لبنان أمام اختبار لا يرحم أحدًا ولا يترك مجالًا واسعًا للاجتهاد أو المناورة، فالغارة التي استهدفت مدير البرامج السياسية في قناة “المنار” محمد شري وزوجته في زقاق البلاط لم تمر كخبر عادي، إذ سرعان ما انسحب أثرها على المشهد الإعلامي برمته، حيث خفَت حضور وجوه اعتادت الظهور تدور في فلك الممانعة، وغابت إطلالات كانت حتى الأمس القريب تملأ الشاشات وتفرض إيقاعها على النقاش العام، الذي فتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز الواقعة نفسها إلى ما بعدها: هل نحن أمام خوف مشروع أم إعادة تموضع تحت ضغط الخطر أم رسائل غير معلنة وصلت إلى المعنيين؟
بالتالي، هذا الانكفاء لا يمكن قراءته بمعزل عن تطور مواز تمثل بإعلان الجيش الإسرائيلي استهداف محطة بث مرتبطة بحزب الله، في مؤشر يلامس بنية الخطاب الإعلامي وأدواته، كأن الاستهداف لم يعد يطال الأفراد فقط، وإنما امتد إلى المنصات التي تنتج الرواية وتعيد ضخها في الوعي العام، ما يوحي بأن المرحلة تحمل نمطًا مختلفًا من المواجهة، عنوانه تقويض القدرة على التأثير بقدر ما هو إضعاف للقدرة على الفعل.
في هذا السياق، يقدم الكاتب والمحلل السياسي اسكندر خشاشو قراءة تنطلق من تبدل نظرة الجمهور إلى ما يُعرف بإعلام "الممانعة"، حيث لم يعد هذا النمط يحظى بالجدية التي كان يدعيها، بعدما تكشفت وفق الوقائع، فجوة واسعة بين ما يُبث وما يتحقق على الأرض.
بحسب خشاشو، لم تعد المنصات المحسوبة على المقربين من الحزب تُقرأ كمنابر إخبارية موثوقة، انما كقنوات دعائية تميل إلى الترويج، بعدما ترسخ لدى المتابعين اقتناع واضح بأن ما يصدر عنها يبتعد عن الدقة، ويعبر عما يريده الحزب أن يُقال.
ويذهب أبعد من ذلك حين يتوقف عند ظاهرة تضخم هذه المنصات، التي تدار بذهنية موحدة، تستضيف الأسماء نفسها وتعيد تدوير الخطاب ذاته، وتحول هذه الإطلالات إلى مادة للتندر بدلاً من أن تكون مساحة لعرض موقف متماسك أو تحليل رصين.
هذا المسار برأيه، كشف محدودية البنية الإعلامية التي لم تستطع إنتاج طبقة من المفكرين القادرين على مخاطبة الرأي العام بلغة مقنعة، ما أفقد السردية التي رُوج لها صدقيتها تدريجيًا، إذ إن المبالغة والانفصال عن الوقائع لا يمكن أن يؤسسا لثقة مستدامة.
ولا يختصر خشاشو الأمر بالخوف الناتج عن الاستهداف الأخير، إذ يلفت إلى أن المسألة أعمق من ردة فعل آنية، خصوصًا أن مدير المنار محمد شري كان يحظى باحترام مهني داخل بيئته الإعلامية، ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة الأدوار المتداخلة بين الإعلامي في المحطة والميداني، في ظل واقع يعتبر فيه كل من يعمل ضمن هذه المنظومة جزءاً من إعلام ذي وظيفة قتالية لا يندرج ضمن التعريف التقليدي للعمل الصحافي.
هل دخل إعلام "الممانعة" مرحلة الانكفاء القسري؟
في لحظة يعلو فيها صوت الميدان على ما عداه، تبدو الساحة الإعلامية في لبنان أمام اختبار لا يرحم أحدًا ولا يترك مجالًا واسعًا للاجتهاد أو المناورة، فالغارة التي استهدفت مدير البرامج السياسية في قناة “المنار” محمد شري وزوجته في زقاق البلاط لم تمر كخبر عادي، إذ سرعان ما انسحب أثرها على المشهد الإعلامي برمته، حيث خفَت حضور وجوه اعتادت الظهور تدور في فلك الممانعة، وغابت إطلالات كانت حتى الأمس القريب تملأ الشاشات وتفرض إيقاعها على النقاش العام، الذي فتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز الواقعة نفسها إلى ما بعدها: هل نحن أمام خوف مشروع أم إعادة تموضع تحت ضغط الخطر أم رسائل غير معلنة وصلت إلى المعنيين؟
بالتالي، هذا الانكفاء لا يمكن قراءته بمعزل عن تطور مواز تمثل بإعلان الجيش الإسرائيلي استهداف محطة بث مرتبطة بحزب الله، في مؤشر يلامس بنية الخطاب الإعلامي وأدواته، كأن الاستهداف لم يعد يطال الأفراد فقط، وإنما امتد إلى المنصات التي تنتج الرواية وتعيد ضخها في الوعي العام، ما يوحي بأن المرحلة تحمل نمطًا مختلفًا من المواجهة، عنوانه تقويض القدرة على التأثير بقدر ما هو إضعاف للقدرة على الفعل.
في هذا السياق، يقدم الكاتب والمحلل السياسي اسكندر خشاشو قراءة تنطلق من تبدل نظرة الجمهور إلى ما يُعرف بإعلام "الممانعة"، حيث لم يعد هذا النمط يحظى بالجدية التي كان يدعيها، بعدما تكشفت وفق الوقائع، فجوة واسعة بين ما يُبث وما يتحقق على الأرض.
بحسب خشاشو، لم تعد المنصات المحسوبة على المقربين من الحزب تُقرأ كمنابر إخبارية موثوقة، انما كقنوات دعائية تميل إلى الترويج، بعدما ترسخ لدى المتابعين اقتناع واضح بأن ما يصدر عنها يبتعد عن الدقة، ويعبر عما يريده الحزب أن يُقال.
ويذهب أبعد من ذلك حين يتوقف عند ظاهرة تضخم هذه المنصات، التي تدار بذهنية موحدة، تستضيف الأسماء نفسها وتعيد تدوير الخطاب ذاته، وتحول هذه الإطلالات إلى مادة للتندر بدلاً من أن تكون مساحة لعرض موقف متماسك أو تحليل رصين.
هذا المسار برأيه، كشف محدودية البنية الإعلامية التي لم تستطع إنتاج طبقة من المفكرين القادرين على مخاطبة الرأي العام بلغة مقنعة، ما أفقد السردية التي رُوج لها صدقيتها تدريجيًا، إذ إن المبالغة والانفصال عن الوقائع لا يمكن أن يؤسسا لثقة مستدامة.
ولا يختصر خشاشو الأمر بالخوف الناتج عن الاستهداف الأخير، إذ يلفت إلى أن المسألة أعمق من ردة فعل آنية، خصوصًا أن مدير المنار محمد شري كان يحظى باحترام مهني داخل بيئته الإعلامية، ما يطرح علامات استفهام حول طبيعة الأدوار المتداخلة بين الإعلامي في المحطة والميداني، في ظل واقع يعتبر فيه كل من يعمل ضمن هذه المنظومة جزءاً من إعلام ذي وظيفة قتالية لا يندرج ضمن التعريف التقليدي للعمل الصحافي.











