رئيس السلام
ليس من السهولة أن يردد أكثر من مرة، وأن يدعو رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى السلام مع (إسرائيل) في حضرة الرئيس الألماني وأمام العالم، في ظل دعوة مفتوحة من جهات تدّعي قتالًا وتحريرًا للخارطة العربية، والعودة إلى زمن الخلافة.
أن يطلق رئيس البلاد دعوة السلام من بلد أنهكته الحروب، وقضت عليه أفكار وأحزاب، فيه من الجرأة ما يجعل من مطلقها قابضًا على جمر الحقيقة. وقد لقيت الدعوة الرئاسية دعوات منددة بالسلام من قبل بقايا الأفكار التي هدمت لبنان، وبتحريك مباشر من جماعات تعتاش على دعوات الفتح. عندما خرج حافظ الأسد لملاقاة رابين عند بحيرة طبريا للسلام، خرست كل الأصوات الممالئة للممانعة والتحرير، وكبّ إسرائيل في البحر، ووضع حد للغطرسة الأمريكية، وفتح الطريق العربي أمام روسيا والصين. آنذاك لم يخرج نفس من نفس، سقط الجميع أمام خيار نظام الأسد، وكل الرايات نُكّست، ولم تُرفع راية من رايات العودة إلى القدس وفلسطين. بل راح الكثيرون يتحدثون عن سلام الشجعان، وصفقوا للأسد بعد أن لعنوا السادات على سلام الشجعان الذي أعاد إليه الأرض. وحده الرئيس يقدّر الثمن الذي دفعه لبنان، ووحده يقرأ مخاطر الآتي إذا ما بقي المعنيون على السلاح الساكت، والبعض على ازدواجية المواقف، إذ يلبسون في الليل لباس النهار، وفي النهار يرتدون مريول الليل، بحسب الزائر والضيف. تكثر لغات المسؤول في لبنان، فيعطي تارة من طرف اللسان حلاوة، وتارة مرارة، وتتعدد فيه الألسن، بحيث تضيع المواقف بين اللغات وترجمات الببغاوات. حتى لا تبقى المواقف كالواقف المنتحر على ظهر البيدر لانعدام الرؤية، فليُطرح موقف رئيس الجمهورية في المجلس النيابي وعلى الهواء مباشرة، كي نوحّد الموقف حول موضوع من أهم الموضوعات، وليخرج اللبنانيون إما موافقين أو غير موافقين، وعندها تتضح الخفايا والخبايا والنوايا، ومن يلوك الوصايا ويعتمد كثرة اللغات والترجمات. من الطبيعي جدًا أن تُطرح العناوين الكبرى ذات الأبعاد السيادية والأمنية والاستراتيجية على نواب الأمة، وهذا ما يلغي كثرة الاجتهادات التي تعطي كل اتفاق فهمًا خاصًا، كما هو حال تفاهم وقف الأعمال العدائية، وتثبيت وقف إطلاق النار والالتزام بالقرار الدولي 1701، الذي لم يُعرض على المجلس النيابي، وبات أسير تفسيرات هوائية وإيحائية كرّست سياسات طالت أمن اللبنانيين، ووضعت لبنان على لائحة الانتظار الطويل.








