«عاشوراء» تبكي على شيعة لبنان...!
غسان بركات
عام 2021، أي قبل ان تدمر بلدتي في جنوب لبنان عن بكرة أبيها في خطيئة حرب الإسنادين التافهتين، يومها كانت اجواء الـ عشرة أيام من «عاشوراء»، حيث كنت امضي عطلة نهاية الاسبوع هناك، بعدما لبيّت دعوة لحضور مجلس عزاء...، حينها طرحت سؤالاً إستفسارياً على بعض من الحضور المتباكين تزلفاً ونفاقاً على الإمام الحسين، (لماذا تقام مراسم عزاء للإمام الحسين في ذكرى «عاشوراء» والبكاء عليه فقط، علماً أنّ والده أمير المؤمنين الإمام علي قتل قبله غدراً على يد سيئي النوايا، وكانت مصيبة الأمة به أعظم، وشقيق الحسين الإمام الحسن قتل هو الأخير أيضا مسموماً على فراش المنايا؟)، ثم «لماذا الطائفة العلوية الكريمة في لبنان وسورية وتركيا وحتى الحوثيين في اليمن الذين يدعون انهم شيعة لا يحيون ذكرى «عاشوراء» باللطم، والندب، والضرب على الرأس، ومجالس عزاء، كما نفعل نحن؟»، على الفور وبدون أن ألقى أي جواب على سؤالي، تم تأنيبي ومهاجمتي بعدما اتُهمتُ بالإلحاد ومن أهل الكفر و«الدواعش».
لقد قدم الإمام الحسين بن علي أبلغ شهادة في تاريخ الإنسانية وارتفع بمأساته إلى مستوى البطولة الفذة، كما ان مأساته تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد في سبيل العدالة الاجتماعية، تماماً كما قال المفكر السوري انطوان بارا: «لو كان الحسين منا لنشرنا له في كل أرض راية، ولأقمنا له في كل أرض منبر، ولدعونا الناس إلى المسيحية باسم الحسين».
كانت مدينة النبطية كل عام تستذكر مناسبة «عاشوراء»، ويقام في ساحتها تمثيلية تجسد فيها مقتل الإمام الحسين يحضرها عشرات الآلاف القادمين من القرى والبلدات الجنوبية القريبة منها والبعيدة، ويملؤون شوارعها بمواكب راجلة من الحزن واللطم، إلا ان مشهد «عاشوراء» هذا العام اختلفت كلياً، بعدما أُنْهكت المدينة وتحولت شوارعها واحيائها وأسواقها وأبنيتها الى ساحة من الدمار والخراب الهائل من جراء حرب عبثية تافهة لا ناقة لأهل الجنوب فيها ولا جمل، سوى الدفاع عن إيران بالخطيئة الإستراتيجية في حرب إسنادها بين حزب الله الإيراني وإسرائيل.
«عاشوراء»، هذه الذكرى الأليمة التي حصلت على أرض كربلاء بحق ابن بنت النبي محمد سيد الشهداء الإمام الحسين، الذي استشهد مظلوماً بعدما تم قتله بوحشية مفتدياً بذلك روحه وجسده من أجل الإصلاح، ونصرة للحق، ووأد الفتن بين المسلمين، وسيرته النضالية التي اتسمت بالجهاد من اجل الحق، وملحمة في الشجاعة والعنفوان، ونوراً وإلهاماً يهتدي بها كل الأحرار المظلومين الذين يناضلون من أجل الانتصار على الباطل، وليس من أجل رفع اللافتات والخِرَق السوداء في الشوارع المترافقة بضجيج الأصوات العالية.
اليوم واقعة كربلاء هذه في ذكرى مراسم «عاشوراء» أصبحت تترجم من قبل ناس مأجورين، يدّعون أنهم على خطى الحسين سائرون من اجل الحق على الباطل، بعد تشويههم لها تارةً ببدع وطقوس فولكلورية غريبة ضالة، كالرايات السوداء والحمراء والخضراء معلقة على شرفات المنازل والحسينيات، وعلى أعمدة الإنارة في الطرقات تحجب الرؤية ما يؤذي المارة والسيارات، ناهيك عن موضة التباهي في لبس الثياب باللون الأسود، والمغالاة في الحزن والبكاء نفاقاً، وطوراً بالكذب على الناس ضمن قصص وحكايات وروايات غريبة من نسج الخرافات والخيال، استحضرت خصيصاً من الخارج من أجل تضليل الناس وصغائر العقول، وهم في الحقيقة بعيدون كل البعد عن مفهوم «عاشوراء» ومراسمها ولا علاقة لهم حتى بالسيرة الحسينية.
هؤلاء المأجورين ارباب الأيديولوجية «الثيوقراطية» الفارسية، الذين يدّعون محبتهم لابن بنت رسول الله الإمام الحسين، الفارضين أنفسهم وبالقوة كأمر واقع على الطائفة الشيعية المغلوبة على أمرها والتي اصبحت اليوم بسببهم طائفة مكلُومة بـ «عاشوراء» جديدة، بعدما نفذوا مخطط ثيوقراطية عمائم ملالي إيران بلعنة الثأر لخامنئي «لإسناد إيران»، اليوم يشوهون مسيرة كربلاء الحسينية النبيلة، التي تتسم بثقافتها الإنسانية وحولوها إلى مزايدات سياسية من على المنابر الحسينيات، بخطابات فقط للشتم والفتن وإهانة الآخرين، وتحريك النعرات المذهبية، ناهيك عن قرّاء مجالس التعزية ومستوى ثقافة خطابهم الهابط واحترافهم في تأليف القصص وروايات التعزية، وحكاياتها الأسطورية والخيالية عن الإمام الحسين، وهي لا تمت للحقيقة او الواقع بصلة، ناهيك عن كل هذا المواكب السيّارة التي تجول في الشوارع، تصدح منها أصوات عبر مكبرات للصوت ندبيات لمجالس تعزية، باصوات ولهجات ركيكة تشمئز منها الآذان عند السمع، والأجمل من كل هذا وبمشهد إستفزازي للآخرين، اللطميات التي تمارس على الطرقات وامام العامة داخل مناطق حساسة مذهبياً، والتي تشوه صورة «عاشوراء».
اليوم، وبعد التيمّن بـ«شكرًا لإيران الوفَّية»، تحولت لغة اللطميات وقراءة مجالس التعزية من اللهجة العراقية الى اللغة المسمارية الفارسية، المترافقة مع مشهدية لموضة نشر الصور المفترض أنّها تصوّر الإمام الحسين، والبدع الضالة غير الحضارية لمجسمات من المفترض أن تكون لرأس الإمام الحسين وهي ملطخة بالدماء، ليكتمل المشهد بتحريف مسيرة ذكر «عاشوراء» من الحضارة إلى الضلالة.
ختاماً، ان ذكرى «عاشوراء» هي صرخة من اجل الحق والحرية والأحرار، وبعيدة كل البعد عن ذل الولاءات والتبعية، وإثارة الأحقاد، وإشعال الفتن، والطعن بالآخرين، وبعيدة أيضاً عن مظاهر طقوس اللطم والتطبير والندب والنياحة وشق الجيوب على مصيبة الحسين، وهي أعمال تُخالف السيرة الحسينية ولا ترضى بالصبر والرضا بقضاء الله تماماً كما جاء في كتابه العزيز في صورة البقرة بسم الله الرحمن الرحيم: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) صدق الله العلي العظيم.














