ليست تلة «علي الطاهر» مجرد موقع عسكري سقط في الجنوب. أهميتها تتجاوز موقعها الجغرافي والعسكري، لأنها تكشف شيئًا أعمق يتعلق بصورة القوة التي جرى بناؤها في وعي الجنوبيين، وبالوعود التي رافقت هذه القوة، وبالدولة التي غابت طويلًا عن المكان الذي يفترض أن تكون فيه الدولة أكثر حضورًا.
كانت التلة قد سقطت عسكريًا منذ أسابيع، ولم يغيّر من واقعها إعلان حسن فضل الله أنها جزء من مثلث «المواجهة» الذي يضم مضيق هرمز وباب المندب وعلي الطاهر، ولا التهديد الإيراني بأن سقوطها «خط أحمر» وأن طهران ستشعل المنطقة دفاعًا عنها.
ثم سقطت.
ولعل في هذه المفارقة ما يكفي لطرح السؤال الذي يتجاوز التلة نفسها: ماذا بقي من منظومة الردع التي قيل للجنوبيين إنها تحميهم؟
لسنوات طويلة، لم يكن الخطاب يتحدث عن قوة عسكرية فحسب، بل عن منظومة قادرة على منع إسرائيل من الوصول إلى الجنوب. قيل: «عَ الخيام لن يدخلوا»، و«عَ بنت جبيل لن يدخلوا». وقيل الكثير عن إسرائيل الأوهن من بيت العنكبوت، وعن تحويل وادي السليكون إلى رماد، وعن تدمير منشآت العدو، وعن «بيت آخر في الجليل» بات قريبًا.
المشكلة اليوم ليست فقط أن كثيرًا من هذه الوعود لم يتحقق.
المشكلة الأعمق أن هذه اللغة أنتجت لدى الناس شعورًا بأنهم يعيشون في منطقة محمية بقوة لا يمكن اختراقها.
وحين جاءت لحظة الاختبار، ظهر الفرق بين قوة تمتلك قدرة على القتال، وقوة تستطيع أن توفر الحماية للناس.
وهذا فرق جوهري.
فالجنوب الذي قيل إنه محصّن وجد نفسه مكشوفًا، والقرى التي كان يفترض أن تكون خلف منظومة الدفاع أصبحت في قلب المعركة، فيما دفع أهلها الثمن من بيوتهم وأرزاقهم وأمنهم ومستقبلهم.
ومن هنا تبرز مسألة «الجنوب تحت الجنوب».
أنفاق وتحصينات ومنشآت وسلاح بُنيت على مدى سنوات تحت الأرض وفوقها، في بيئة كان أهلها يسمعون باستمرار أن هذه المنظومة هي ضمانتهم.
لكن السؤال الذي تفرضه النتيجة ليس عن حجم هذه المنشآت فقط، بل عن وظيفتها السياسية والأمنية:
ماذا حمت عندما بدأت الحرب؟
هل كانت وظيفتها حماية الجنوب، أم حماية المنظومة نفسها؟
قد يكون السؤال قاسيًا، لكنه لا يمكن تجنبه بعد كل ما حصل.
فالذين تهجّروا لم يقرروا الحرب، والذين فقدوا بيوتهم لم يختاروا أهدافها، والذين يعيشون اليوم في ظروف قاسية لم يقرروا أن تتحول قراهم إلى جزء من صراع إقليمي تتجاوز حساباته حدود لبنان.
وهنا تنتقل المسألة من السؤال العسكري إلى سؤال الدولة.
أين كانت الدولة طوال هذه السنوات؟
كيف أمكن إنشاء منظومة عسكرية بهذا الحجم من دون أن تكون للدولة معرفة كاملة بها، أو من دون أن تكون قادرة على منعها أو ضبطها؟
كيف وصلت كميات الحديد والإسمنت إلى الجبال والقرى والوديان؟ أين ذهب الردم؟ ما حجم هذه الأنفاق؟ أين تقع؟ ماذا كان فيها؟
وماذا عن الاعتداءات التي تعرضت لها اليونيفيل عندما حاولت الاقتراب من مناطق يُشتبه بوجود بنية عسكرية فيها؟ هل كانت مجرد حوادث متفرقة، أم أنها كانت جزءًا من بيئة سياسية وأمنية جعلت حضور الدولة محدودًا في مناطق يفترض أن تكون سيادتها فيها كاملة؟
إذا كانت الدولة لا تعرف، فهذه مشكلة دولة.
وإذا كانت تعرف ولا تستطيع، فالمشكلة أكبر.
أما إذا كانت تعرف وتسكت، فالمسألة لا تعود مرتبطة بضعف الدولة فقط، بل بمعنى الدولة نفسها.
لكن فتح هذا الملف لا ينبغي أن يكون بهدف إعادة إنتاج الانقسام، أو تحويل الجنوب إلى ساحة لتصفية الحسابات. فالمرحلة التي نحن فيها تحتاج إلى ما هو أبعد من المحاسبة السياسية المباشرة: تحتاج إلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.
وهنا تأتي فكرة جبر الكسور وبناء الجسور.
فالذي انكسر في لبنان ليس فقط جزءًا من الجغرافيا. انكسرت الثقة أيضًا، وتعمقت المسافة بين اللبنانيين، وتحولت الخلافات السياسية إلى حدود داخل الوطن، وأصبح الانتماء إلى هذا المحور أو ذاك أقوى أحيانًا من الانتماء إلى الدولة.
ولا يمكن معالجة ذلك بإعادة إنتاج منطق المحاور، ولا باستبدال محور بآخر، ولا بتحويل السلاح إلى هوية سياسية أو طائفية.
الدولة تستعيد معناها عندما يصبح قرار الحرب والسلم قرارًا وطنيًا، وعندما يصبح أمن المواطن سابقًا على أمن المشروع، وعندما يعرف المواطن أن الدولة التي تطلب منه دفع الضرائب والخضوع للقانون هي نفسها الدولة التي تتحمل مسؤولية حمايته.
هذه المسألة لا تتعلق بالجنوب وحده.
ما جرى في لبنان جزء من أزمة أوسع في المنطقة، حيث قامت خلال عقود معادلة سياسية على التخويف المتبادل: إسرائيل تستخدم الخطر الإيراني وأذرعه لتبرير سياساتها وتمددها، وإيران تستخدم إسرائيل والولايات المتحدة لتبرير نفوذها الإقليمي.
وبين الطرفين بقيت المجتمعات العربية تدفع الثمن.
لكن يبدو أن شيئًا تغير.
لم تعد المجتمعات تريد أن تبقى مجرد ساحات لصراعات الآخرين. ولم يعد من السهل إقناع الناس بأن أمنهم يتحقق بمجرد أن تكون بلادهم جزءًا من مشروع إقليمي أكبر.
وهنا تبرز أهمية التحولات الإقليمية الجديدة، لا باعتبارها انتقالًا من محور إلى محور، وإنما بقدر ما يمكن أن تؤسس لمنطقة تنتقل من إدارة الخوف إلى إدارة المصالح، ومن توظيف الانقسامات إلى بناء عناصر القوة المشتركة.
ذلك لا يمكن أن يحدث من دون دول مستقرة ومجتمعات متماسكة.
فالتمزق الجغرافي يضعف القوة، والتمزق السياسي يضعف الإرادة، والتمزق الاجتماعي يجعل أي مشروع استقلالي عرضة للاختراق.
ولبنان، في المقابل، لا يستطيع أن ينتظر اكتمال التحولات الإقليمية حتى يبدأ بإعادة بناء دولته.
المطلوب يبدأ من هنا.
من الجنوب أولًا، لأن أهله دفعوا الثمن الأكبر.
إعادة الإعمار ليست منّة.
عودة الأهالي ليست تفصيلًا.
حماية الحدود ليست وظيفة ميليشيا.
والقرار السيادي ليس ورقة تفاوض.
ثم يأتي السؤال الذي لا يمكن تأجيله: ماذا ستفعل السلطة؟
فالوقائع على الأرض تتغير، والاحتلال يفرض أمرًا واقعًا جديدًا، والحديث عن سجد والريحان وغيرها لم يعد مجرد احتمال بعيد.
ومع «الاتفاق الإطاري»، لا يعود ممكنًا التعامل مع المسألة باعتبارها مجرد ترتيبات تقنية. المسألة في جوهرها تتعلق بما إذا كان لبنان قادرًا على الانتقال من دولة تتعايش مع تعدد القرارات الأمنية إلى دولة واحدة تملك قرارها.
وهنا لا تكفي البيانات.
ولا المواقف السياسية.
ولا المراعاة.
الدولة إما أن تكون دولة، أو أن تترك المجال لغيرها كي يقوم بوظيفتها.
ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن أبناء الجنوب الذين قيل طويلًا إنهم «بيئة حاضنة» لمشروع السلاح كانوا هم أنفسهم من دفع الثمن الأكبر عندما تحولت القوة التي قيل إنها لحمايتهم إلى منظومة تعمل فوق الدولة.
لذلك فإن استعادة الدولة ليست معركة ضد الشيعة، ولا ضد الجنوب، ولا ضد بيئة اجتماعية بعينها.
على العكس.
هي استعادة لحق هذه البيئة، كما حق كل اللبنانيين، في دولة لا تطلب من مواطنيها أن يكونوا وقودًا لصراعات لا يملكون قرارها.
فالإنسان هو الذي يفترض أن يكون غاية السياسة، وليس السلاح، ولا المحور، ولا المشروع الإقليمي.
بعد «علي الطاهر» لا يعود السؤال الحقيقي: من انتصر ومن انهزم؟
السؤال هو: ماذا بقي للناس؟
الجنوبي اليوم لا يحتاج إلى وعد بفتح الجليل بقدر ما يحتاج إلى أن يستطيع فتح باب بيته.
لا يحتاج إلى خطاب عن القوة بقدر ما يحتاج إلى سقف.
ولا يحتاج إلى من يقول له إن النصر قريب، بقدر ما يحتاج إلى دولة تمنع أن تتكرر الهزيمة.
وهنا تبدأ المسألة من جديد:
أن يعود الإنسان إلى مركز السياسة، والدولة إلى مركز القرار.
أن نجبر ما انكسر، ونبني الجسور التي قطعتها المحاور، ونستعيد معنى السيادة بوصفها حقًا للمواطن قبل أن تكون شعارًا للدولة.
من هنا يبدأ الاستئناف.
ومن هنا يمكن للجنوب أن يعود من ساحة للصراع إلى جزء من وطن، وللبنان أن يبدأ باستعادة معنى الدولة.















