لطالما أثبت حزب الله أن عداءه مع الدولة اللبنانية أكبر من عدائه لإسرائيل. والمشكلة أن الحزب، بدل أن يتعاون مع الدولة ويستفيد من المفاوضات لتحقيق نتائج للبنان، يصرّ على الذهاب بالمواجهة إلى أقصاها، ثم يدفع البلد ثمن خساراته المتتالية.
فمنذ البداية، لم يلتزم الحزب بطلب الدولة وقف الحرب أو تحييد لبنان عن المواجهة. ولو انسحب من "حرب الإسناد" يوم بدأت، لما دخل الجنوب في المسار الذي أوصله إلى الاحتلال والدمار والخسائر التي نشهدها اليوم. فالمفارقة أن منطقة لم تكن محتلة، أصبحت اليوم مهددة بأن تصبح كذلك، بعدما اختار الحزب توسيع المواجهة بدل ترك الدولة تدير الملف سياسياً وتفاوضياً.
واليوم، مع الحديث عن سقوط علي الطاهر، تتكرر المفارقة بصورة أكثر فجاجة: الحزب يرفض أن ينسحب من المنطقة ويسلّمها للجيش اللبناني، بينما إسرائيل قادرة على الوصول إليها.
فأين كانت "حماية الجنوب" التي يبرَّر بها بقاء السلاح؟
الأخطر أن لبنان بات عالقاً في معادلة غريبة: كلما رفع حزب الله سقف المواجهة، خسرنا أكثر، وكلما خسرنا أكثر، انخفض سقف ما نطالب به. بدل أن نحقق مكاسب عبر التفاوض، أصبح طموحنا استعادة ما كان قائماً قبل الحرب.
المشهد يوحي بأن قيمة السلاح بالنسبة إلى الحزب لم تعد مرتبطة فقط بردع إسرائيل. فائض القوة الذي يمنحه السلاح في الداخل يبدو أكثر أهمية: إبقاء القرار اللبناني رهينة، والحفاظ على قدرة الحزب على فرض شروطه، ومنع الدولة من استعادة كامل سلطتها.
وربما لهذا السبب تحديداً يصبح تسليم المناطق للجيش أكثر صعوبة من التفاوض مع إسرائيل.
فالردع الخارجي يمكن التفاوض حوله، أما فائض القوة في الداخل فهو ما يمنح الحزب قدرته على البقاء لاعباً فوق الدولة.
وعندما يصبح الحفاظ على السلاح أهم من الأرض، وأهم من الجنوب وأهله، يصبح السؤال الحقيقي: من يقاوم من؟















