بين عاشوراء القيم وعاشوراء الاستثمار،الشهيد سهيل حمورا نموذجاً
لا يختلف اثنان من المؤرخين في وصف ما آل إليه حكم يزيد بن معاوية بن إبي سفيان من استبداد وفساد وطغيان. وعندما انتفض الإمام الحسين بوجهه قائلاً:
“إني لم أخرج أشرًا، ولا بطرًا ولا مفسدًا، ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي".
لم تكن وقفته تلك طمعاً بسلطة ولا بوراثة بل بتحدي الظلم والفساد حتى لو كلفه ذلك حياته وحياة مناصريه. ب٧٣ مقاتلاً معظمهم من أفراد عائلته واجه جيشاً جراراً، متيمناً بقول والده الإمام علي بن أبي طالب : " الساكت عن الحق شيطانٌ أخرس".
من هنا لم يكن استشهاد الإمام الحسين في العام 61 هجري في معركة ألطف الشهيرة في كربلاء حادثًا عابرًا، بل كان فاصلًا تاريخيًا مهمًا ظلّ استحضاره يتصاعد عامًا بعد عام حتى أصبح حدثًا كونيًا بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى ودلالة.
وحينما نتحدّث عن الحسين الذي خرج دون تردد وبتصميم عالي في مواجهة الظلم، إنما هو استحضار لسردية تاريخية بمعناها الإنساني وليس المذهبي أو الحزبي، وتأكيد لحضور المعنى لهذا الحدث الجلل وللوقوف عند الدلالة، والعبر والدروس من ذكرى استشهاد الإمام الحسين.
ولعلّ ذلك ما كان يقصده اليسار العراقي في بيئة النجف الشيعية ( د. حسين شعبان ، post 180.com, في ٢٤/٦/٢٠٢٦ في إحيائه لطقوس عاشوراء). وكذلك اليسار اللبناني في البيئة الشيعية في مناسبات إحياء المجالس العاشورائية حين يواجه الظلم ويتصدّى للظالمين، أي أنه يستغلّ إيجابيًا هذا الحدث كجزء من فضاء شعبي للتحريض والتعبئة خارج دائرة الدين أو التديّن وخارج التفريع الطائفي أو المذهبي، فذلك لم يكن يعنيه لا من قريب ولا من بعيد، بل كان واضحًا في رفع شعاراته الوطنية وسط حشود شعبية تستلهم مسيرة الإمام الحسين وكفاحه البطولي في مقاومة الظلم، وعدم الرضوخ للظالم كجزء من عقيدتها الإيمانية. والمسألة بقدر ما هي يقينية إيمانية عقائدية لدى البعض، فإنها وجدانية وواقعية ضد الظلم لدى اليسار، الذي كان يُحسن استخدامها بدقة واقتدار كجزء من توجّهه التحريضي التنويري .
وأكبر مثالٍ على ذلك تلك العملية الجريئة للشهيد الشيوعي سهيل حمورا في جبهة المقاومة الوطنية الوطنية اللبنانية، الذي أقدم بظل أجواء عاشوراء في مدينة النبطية في ١٦ تشرين أول عام ١٩٨٣ على مواجهة الدبابات الإسرائيلية مشحوناً بعقيدته الوطنية التحررية، ومستظلاً الصخب اليقيني لمرددي شعارات الإمام الحسين من أبناء النبطية كحاضنة طبيعية في مواجهة الظلم والإستبداد الذي تمثّل في تلك اللحظة بقوات الاحتلال الإسرائيلي .
الشهيد سهيل حمورا هُدم نصبه التذكاري في النبطية على أيدي من يدعون انتماءهم إلى مدرسة الإمام الحسين . وهنا يظهر الفارق بين التحزّب الأعمى الذي يسيئ لقيم شهادة الحسين وبين الاقتداء بها.
إن خيطًا رفيعًا يفصل بين اليقين الديني الإيماني وبين التوجّه المدني اليساري تحديداً في توجيه الأنظار صوب الظلم، خصوصًا وأن للشهادة والتضحية بالنفس بطولة وشجاعة رمزية ونبلًا وصميمية لا تتعلق بالزمان ولا بالمكان، بل تتجاوز ذلك إلى الفضاء الإنساني. وهكذا أيضاً يؤمن النصارى على اختلاف مذاهبهم بأن يسوع المسيح قبل الفين وستٍ وعشرين عاماً كان قد افتدى البشرية بالتضحية بنفسه.
كثيرون يحتفلون بمناسبة عاشوراء، بعضهم عن إيمان، ولكن إذا كان إيماناً لا يفعّل العقل، فإنه سيقود حتماً إلى يقينية صماء وسيكون متعصبًا ومتطرفًا وحتى عنيفًا وقد يصل إلى الإرهاب. والبعض الآخر يحتفي بالمناسبة انطلاقًا من تقليد طقوسي ديني أو حتى اجتماعي متوارث، وبالطبع فهناك فارق كبير بين الإيمان والعادة أي ما استقر عليه الحال من تواتر الاستعمال وكثرة الاستخدام . فحتى الإيمان سيكون مختلفًا بين شخص وآخر، فهناك إيمان واعي وآخر أعمى، مثلما يتعلق بالمخرجات من حيث التوجه والأداء وما يترتب عليه سواء بالإيمان أو التقليد. فشجاعة الإمام الحسين، هي شجاعة كرم أخلاقي وسمّو إنساني. ووضعها في غير هذا الموضع ، يناقض حكماً جوهر الدين وقيمه، بل سيكون تعبيراً عن مصالح خاصة أو حزبوية أو طائفية لضيق أفق واستعداد لإلغاء الآخر أو إقصائه أو تهميشه.
ومع تقديري وتثميني الكبير للتضحيات الجسام التي قدمها شباب حزب الله عندما كانت مقاومته في مواجهة قوات الإحتلال قبل التحرير في العام ٢٠٠٠، غير أن ذلك لا يغفل، ولا يجعلنا نتغاضى عن الأخطاء لا بل الخطايا التي ارتكبتها قيادة الحزب بعد ذلك التاريخ مستغلةً انتماءها العقدي لمدرسة الحسين ليتحول حزب الله وتضحياته في الميدان بعد ذلك إلى مساندة النظام الإستبدادي في سوريا لحسابات سياسية حزبية وعقائدية، وتلصق به اتهامات تصفية خصومه العقائديين والسياسيين .وفي تحويل لبنان إلى خندق دفاع أول عن طهران ومصالحها في المنطقة على حساب مصلحة لبنان وشعبه ودون استئذانه.
أين تلك الممارسات من مدرسة
الإمام جعفر الصادق الذي يعبّر عن جوهر الدين وقيمه السمحاء حين يقول “وما الدين سوى الحب“، ففيه يُكشف نور القلب وصدق السريرة. ولذلك حين نتحدث عن الإيمان، فماذا نقصد وأي مؤمن نعني؟ ويكبر الخطر والانحراف عن المضمون القيمي للإيمان، عندما يسيطر خطاب القادة ذوي الأهداف السياسية والحزبية على وعي المؤمنين الفطريين الذين ينقادون دون وعي خاضعين ومسخّرين، وقد يرتكبون أفحش الأعمال حتى ضد مصالحهم أحياناً استجابة لقرارات وليهم الحزبي باسم العقيدة والدن. فقد يحمل سكينًا ليطعن أقرب إنسان إليه أو كاتم صوت ليطلق النار عليه أو يلبس حزامًا ناسفًا ليفجّر متجرًا أو مدرسة أو مستشفى أو يسرق من المال العام أو الخاص، سواء باسم الدين أم تحت غطائه، فهو لا يهمّه من الدين سوى المظاهر، أطال لحيته أم لبس العمامة أم انتسب إلى هذا الحزب أو تلك الجماعة، إن كان رجلًا، أو ارتدت النقاب أو الحجاب إن كانت امرأة. وبعض هؤلاء من المسلمين بغض النظر إلى إي مذهب انتموا، كانوا المادة الخام، وخصوصًا من الشباب والشابات، للتنظيمات الإرهابية مثل “القاعدة” وربيبتها “داعش” والجماعات المسلحة بمختلف تسمياتها خارج القانون، فإيمانها يختلف عن إيمان الروحانيات، وإسلام القيم الإنسانية وروح التسامح والسلام ومحبة الآخر وإيمان العدل والمساواة الذي خاطب فيه الإمام علي بن أبي طالب عامله في مصر مالك بن الاشتر النخعي بقوله: لا تكن عليهم (أي على الناس) سبعًا ضاريًا لتأكلهم “فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق”.
وهذا يقودني إلى الاستشهاد بمواقف قيادة حزب الله المفترض أنها تنتمي إلى مدرسة الحسين عندما تصدت لثورة ١٧ت وأجهضتها باسم المقاومة وتحت أعذار تناقض جميع القيم التي تدعي تبنيها، تلك الثورة الشعبية العارمة التي قامت ضد فساد واستبداد سلطة نهبت مدخرات الشعب وأفلست البلاد وعطلت مؤسساتها القضائية والأمنية والدستورية، فاصبحت الدعوة لإسقاطها خط أحمر في خطابات ومواقف قيادة الحزب وإجراءاته.
لعلّ هدف الأديان جميعها، والإسلام وتحديدًا الحسين لا يخص الشيعة وحدهم ولا يعني المسلمين فقط ولا يقتصر على المؤمنين، وإنما هو قيمة إنسانية لبني البشر، لكل من يناضل ضد الظلم ومن أجل إحقاق الحق، وفلسفته التي تقوم على مقاومة الظلم تعني جميع المظلومين وفي جميع العصور، فهناك علاقة بين الظاهر والباطن والعلّة والمعلول والسبب والنتيجة والماضي والحاضر، وكل فعل تضحية ومقاومة ضد الظلم إنما هي استلهام لسيرة معطّرة مصحوبة بالفداء النبيل، تلك التي أقدم عليها الإمام الحسين براحة ضمير ووعي وطهارة روحية.
وانطلاقاً من فهمي هذا لسيرة الحسين ومسيرته، أرى أن ما تسبب به حزب الله للبنانيين والشيعية والجنوبيين على وجه الخصوص بنتيجة حربي إسناد غرة وإيران وما تكبده من تضحيات جسام ذهب ضحيتها آلاف الشهداء والجرحى وتشرُّد مئات الألوف وتدمير آلاف المنازل، إنما أعانه في كل ذلك استثماره لقيم موقعة كربلاء في الوعي السطحي لفئة من أبناء الطائفة، وهو استثمار في غير زمانه ومكانه، لا بل ينطوي على انحراف عن مضمون قيم عاشوراء الحسينية.
لذا وبعد كل الذي جرى ويجري ، أرى أنه على قيادة حزب الله أن تقدم على خطوة جريئة في تقييم نتائج ما ذهبت إليها سياساتها، وتعيد تصويب البوصلة ببعديها الوطني والإنساني للمساهمة بوقف شلال الخسائر، تمهيداً لبناء وحدة وطنية صلبة تحت مظلة الدولة لدحر العدو الإسرائيلي وتحرير أرضنا حتى آخر شبر منها، وتحرير الأسرى وإعادة الأهالي إلى منازلهم وبدء ورشة الإعمار ، فتتضافر بذلك كل الجهود الوطنية المقيمة والمغتربة من أجل بناء دولة كاملة الأوصاف يستحقها اللبنانيون بعد عقود من الألم والتشرد في الداخل وإلى الخارج.
يوسف مرتضى- كاتب سياسي














