لم تكن علي الطاهر، في خطاب حزب الله خلال الفترة الماضية، مجرد نقطة على الخريطة. قُدّمت للرأي العام على أنها موقع استراتيجي، وأن الوصول إليها ليس أمراً سهلاً، وأن الحزب لن يسمح بفرض واقع جديد فيها.
ارتفع منسوب التحدي إلى حدّ جعل من علي الطاهر عنواناً لمعركة تتجاوز حدود الموقع نفسه. نواب في حزب الله تحدثوا عنها بلغة واضحة، وأكدوا أن المقاومة لن تسمح بتغيير المعادلات، فيما جاء الموقف الإيراني ليضيف إلى المشهد بعداً أكبر، مع التحذير من أن أي اعتداء على علي الطاهر لن يمر من دون رد.
كان الخطاب إذاً واضحاً: علي الطاهر ليست موقعاً عادياً، والاقتراب منها لن يكون نزهة، ومحاولة السيطرة عليها ستفتح الباب أمام مواجهة.
لكن بعد سقوط الموقع، بدأت الرواية تتغير.
فبدلاً من الحديث عن الموقع الذي كان يُقدَّم على أنه عصيّ على السقوط، بدأنا نسمع عن أن المعركة ليست بهذه الأهمية، وأن علي الطاهر ليست سوى تلة، وأن ما جرى لا يستحق كل هذا التضخيم.
وهنا لا بد من طرح سؤال بسيط:
لماذا كانت علي الطاهر مهمة جداً قبل سقوطها، وأصبحت قليلة الأهمية بعد سقوطها؟
المشكلة ليست في أن يخسر طرف معركة. فكل مواجهة عسكرية تحمل احتمالات الربح والخسارة، ولا توجد قوة في العالم لا تتعرض للخسائر أو الاضطرار إلى إعادة الانتشار.
المشكلة في شيء آخر تماماً: في محاولة تغيير توصيف المعركة بعد انتهائها.
إذا كانت علي الطاهر مجرد تلة، فلماذا كل ذلك الخطاب السياسي والعسكري حولها؟
ولماذا تحولت إلى عنوان للتهديد والرد؟
ولماذا كان هناك رفض لتسليمها إلى الجيش اللبناني؟
هنا تحديداً تظهر المفارقة الأكبر.
حزب الله رفض تسليم علي الطاهر للجيش اللبناني، انطلاقاً من منطقه المعروف بأن حماية المواقع لا يمكن أن تُترك للجيش وحده في ظل استمرار الخطر الإسرائيلي. قد يختلف اللبنانيون مع هذا المنطق أو يتفقون معه، لكن النتيجة التي أصبحت أمامنا اليوم تستحق التوقف عندها.
فالموقع الذي لم يكن مقبولاً تسليمه للدولة اللبنانية، بحجة أن المرحلة تتطلب بقاء المقاومة فيه، انتهى إلى واقع مختلف تماماً.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل كانت الأولوية فعلاً منع إسرائيل من الوصول إلى علي الطاهر، أم منع الدولة اللبنانية من استلامها؟
هذا السؤال لا يعني بأي شكل من الأشكال تبرئة إسرائيل أو تبرير وجودها في أي شبر من الأراضي اللبنانية. العكس تماماً. الاحتلال والاعتداء على الأراضي اللبنانية مرفوضان، ومن حق اللبنانيين أن يسألوا كيف ولماذا وصلت الأمور إلى هذا الواقع.
لكن رفض الاحتلال لا يعني أن نتوقف عن مساءلة من رفع شعار حماية الأرض.
فالسيادة اللبنانية لا تكون فقط برفض إسرائيل، بل أيضاً بأن تكون الأرض اللبنانية تحت سلطة الدولة اللبنانية، وأن يكون الجيش اللبناني هو صاحب القرار في الدفاع عنها.
وهنا تكمن واحدة من أكبر مفارقات علي الطاهر.
كان يمكن أن يكون النقاش: هل تستطيع الدولة اللبنانية حماية الموقع؟ هل يستطيع الجيش القيام بهذه المهمة؟ ما المطلوب منه؟ ما الدعم الذي يحتاجه؟
لكن بدلاً من ذلك، تحوّل النقاش إلى رفض تسليم الموقع للجيش، ثم وجد اللبنانيون أنفسهم أمام نتيجة لم تكن تخدم لا الدولة اللبنانية ولا مفهوم السيادة الذي يُفترض أن يكون الهدف النهائي لأي مقاومة.
أما إعلامياً، فالمشكلة أصبحت أكثر وضوحاً.
لا يمكن أن تكون علي الطاهر «خطاً أحمر» عندما تكون تحت السيطرة، ثم تصبح «مجرد تلة» عندما تسقط.
لا يمكن أن تُقدَّم المعركة للجمهور باعتبارها مواجهة مفصلية، ثم بعد الخسارة يُطلب من الجمهور نفسه التعامل معها كأنها لم تكن مهمة أصلاً.
هذه ليست مقاومة إعلامية، بل هروب من السؤال.
والتكابر لا يحمي الأرض.
كما أن تحويل كل خسارة إلى انتصار لغوي لا يغيّر شيئاً في الواقع.
القوة السياسية لا تعني أن تقول دائماً إنك انتصرت، بل أن تكون قادراً على الاعتراف عندما تخسر موقعاً، وأن تشرح لشعبك لماذا خسرته، وما الذي ستفعله بعد ذلك.
كان من الممكن أن يكون خطاب حزب الله بعد سقوط علي الطاهر مختلفاً.
كان يمكن أن يقول: نعم، خسرنا الموقع، لكننا لم نتخلَّ عن حقنا في الأرض، وهذه أسباب ما حصل، وهذه خطتنا لاستعادة زمام المبادرة.
كان سيكون خطاباً أكثر احتراماً لعقول الناس.
لكن محاولة تسخيف المعركة بعد أن كانت تُقدَّم قبل أيام على أنها معركة ذات أهمية كبيرة تفتح الباب أمام سؤال أكبر من علي الطاهر نفسها: ماذا عن الخطاب الذي يُبنى عليه موقف الجمهور؟
لأن المشكلة ليست في علي الطاهر وحدها.
المشكلة في أن اللبناني يُطلب منه أن يصدق الرواية عندما تكون الأرض تحت السيطرة، ثم أن يصدق رواية مختلفة تماماً عندما تتغير المعادلة على الأرض.
وهذا تحديداً ما يضر بصورة المقاومة أكثر من الخسارة العسكرية نفسها.
المقاومة لا تُقاس بعدد المواقع التي لا تخسرها فقط، بل أيضاً بقدرتها على مواجهة الحقيقة عندما تخسر موقعاً.
وعلي الطاهر يجب ألا تتحول إلى مادة للتشفي، ولا إلى انتصار إسرائيلي يُحتفل به، ولا إلى مناسبة لتبرير الاحتلال.
هي قبل كل شيء أرض لبنانية.
ولهذا السبب تحديداً يجب أن يكون السؤال موجهاً إلى الجميع: كيف نحمي الأرض اللبنانية؟ ومن يملك قرار الدفاع عنها؟ وكيف تعود كل نقطة من الأراضي اللبنانية إلى سلطة الدولة اللبنانية؟
أما تحويل الخسارة إلى مجرد «تفصيل» بعد أن كانت المعركة تُقدَّم على أنها قضية كبرى، فلن يمحو ما قيل قبلها.
فالذاكرة لا تتغير بتغيير الخطاب.
وما قيل قبل سقوط علي الطاهر سيبقى معياراً لما يُقال بعدها.
علي الطاهر ليست المشكلة. المشكلة هي التناقض بين ما قيل عنها قبل السقوط وما يُقال عنها بعده.
والتكابر لن يعيد الموقع، وتسخيف المعركة لن يغيّر الواقع، أما الاعتراف بالحقيقة ومراجعة الخيارات، فهو وحده ما يمكن أن يفتح باباً لنقاش لبناني جدي حول الأرض والسيادة والدولة.














