نقلًا عن صحيفة “Middle East Eye”
يبدو أن السعودية تتجه نحو طيّ صفحة الخلاف مع الإمارات، في وقت تستعد فيه لمواجهة التصعيد العسكري للحوثيين في اليمن، والذي بات يهدد ممر صادرات النفط السعودي عبر البحر الأحمر، بالتزامن مع وصول هجمات بالطائرات المسيّرة إلى الرياض.
وفي أبرز خطوة سعودية حتى الآن باتجاه ترميم العلاقة مع أبوظبي بعد خلافات حول ملفات السودان واليمن وصوماليلاند، استقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الثلاثاء، نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد آل نهيان في الرياض.
وقالت آنا جاكوبس، الباحثة غير المقيمة في معهد دول الخليج العربية، لموقع «ميدل ايست اي»: «الحوثيون يدفعون السعودية والإمارات إلى التقارب مجددًا».
وبحسب مسؤولين غربيين وعرب تحدثوا للموقع، تجري الدولتان منذ أشهر محادثات بشأن سبل التعاون في الملف اليمني، إلا أن هذه المباحثات كانت تتقدم ببطء.
ماذا أرادت أبوظبي من الرياض؟
بحسب مسؤول غربي تحدث إلى الموقع، أرادت الإمارات إشارة سعودية علنية تؤكد أن الخلاف بين البلدين أصبح من الماضي، إلى جانب تنازلات لمصلحة حلفاء أبوظبي على الأرض في اليمن.
وكانت السعودية قد نشرت في يوليو صورة غير رسمية جمعت الشيخ منصور بن زايد بوزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، من دون الكشف عن مكان اللقاء أو توقيته.
لكن الهجوم السريع الذي شنّه الحوثيون في سبتمبر على امتداد ساحل البحر الأحمر شكّل، بحسب خبراء، العامل الذي دفع نحو عقد لقاء أكبر وعلى مستوى سياسي أعلى.
واستقبل خالد بن سلمان الشيخ منصور بن زايد في المطار. وكان «ميدل ايست اي» قد ذكر سابقًا أن ولي العهد السعودي كلّف شقيقه وزير الدفاع، في فبراير، بالعمل على رأب الصدع مع الإمارات.
وقال جوشوا يافي، الباحث البارز في مركز المصلحة الوطنية والمحلل السابق لشؤون الخليج في مكتب الاستخبارات بوزارة الخارجية الأميركية، إن رمزية زيارة منصور بن زايد كانت مهمة بالنسبة لأبوظبي.
وأضاف: «اليمن يتجه بسرعة نحو مزيد من التدهور، والجميع يعرف ذلك. الإماراتيون يدركون أن السعوديين في وضع مقلق، ولا يريدون رؤية السعودية تفشل بشكل كامل، لذلك يأتون الآن على حصان أبيض ويقولون: يمكننا مساعدتكم إذا أحسنتم التعامل معنا».
واشنطن رفضت طلبًا سعوديًا
وبحسب التقرير، رفضت الولايات المتحدة طلبًا سعوديًا للحصول على مساعدة عسكرية ضد الحوثيين في وقت سابق من هذا الشهر، كما أن اتفاق الدفاع الذي يجمع السعودية بتركيا وباكستان لم يُفعّل في مواجهة التصعيد الحالي.
وقال مسؤولون غربيون يعملون مع السعودية في العمليات العسكرية في اليمن إن نجاح زيارة منصور بن زايد قوبل بارتياح.
كما قال مسؤول أميركي سابق للموقع إن الخطوة السعودية قد تفتح الباب أمام مزيد من التعاون مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي كانت ترغب في إنهاء الخلاف الخليجي.
وبعد زيارة منصور بن زايد، أرسلت الإمارات، وفق مسؤولين غربيين مطلعين تحدثا إلى الموقع، طائرتين من طراز بوينغ تقلان مسؤولين إلى الرياض بهدف التنسيق بشأن اليمن.
هل تستطيع الإمارات قلب المعادلة في اليمن؟
بدأ التعاون العسكري السعودي–الإماراتي في اليمن عام 2015، بعدما سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة من شمال شرق البلاد.
وأرسلت الإمارات قوات برية، كما درّبت وسلّحت فصائل يمنية اعتُبرت من بين الأكثر فاعلية في قتال الحوثيين. وفي عام 2017، نجحت قوات مدعومة إماراتيًا في إخراج الحوثيين من أجزاء من ساحل البحر الأحمر، كما شاركت في منع الجماعة المدعومة من إيران من السيطرة على مدينة عدن.
لكن الخلاف بين الرياض وأبوظبي تصاعد لاحقًا بسبب دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يدعو إلى استعادة دولة مستقلة في جنوب اليمن.
وفي ديسمبر 2025، قصفت السعودية شحنات أسلحة إماراتية متجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، وأطلقت عملية عسكرية ضده بعدما تمدد في أجزاء واسعة من جنوب البلاد، لتعلن الإمارات بعد ذلك انسحابها من اليمن.
وقال دبلوماسي في المنطقة لـ«Middle East Eye» إن الإمارات طلبت من السعودية إفساح المجال مجددًا أمام المجلس الانتقالي الجنوبي بعد حلّه في يناير.
كما تريد أبوظبي من الرياض حظر حزب «الإصلاح»، أبرز الأحزاب الإسلامية السنية في اليمن والمشارك في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. وتضغط الإمارات كذلك على الولايات المتحدة لتصنيف الحزب منظمة إرهابية.
لكن يافي استبعد حصول الإمارات على كامل مطالبها، وقال: «لن يحصل الإماراتيون من السعوديين على ما يريدونه: التخلي عن الإصلاح والقبول بالمجلس الانتقالي». إلا أنه أشار إلى احتمال أن تدفع الرياض الحكومة اليمنية نحو مقاربة أكثر مرونة تجاه المجلس الانتقالي في إطار تعديل حكومي.
وأضاف أن السؤال الأكبر يبقى ما إذا كان الدعم الإماراتي الكبير للحكومة اليمنية قادرًا فعلًا على تغيير مسار الحرب، متسائلًا عن حجم القدرات التي لا تزال أبوظبي تمتلكها اليوم مقارنة بالماضي.
أوراق إماراتية على الأرض
لا تزال الإمارات تتمتع بنفوذ على مجموعة من القوى اليمنية، من بينها قوات الحزام الأمني وألوية العمالقة وقوات المقاومة الوطنية التي يقودها طارق صالح، ابن شقيق الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح.
وكانت قوات المقاومة الوطنية تسيطر على أجزاء من الساحل الجنوبي للبحر الأحمر قبل أن يهزمها الحوثيون.
وعلى الرغم من انسحاب الإمارات من اليمن في وقت سابق من هذا العام، يقول خبراء إن أبوظبي لا تزال تمتلك نفوذًا قويًا على الفصائل الجنوبية، إضافة إلى ضباط إماراتيين وقوات خاصة راكمت خبرة ميدانية في قيادة العمليات ضد الحوثيين خلال العقد الماضي.
وقال كريستيان أولريكسن، الخبير في شؤون الخليج والباحث في معهد بيكر، للموقع: «هذا الاجتماع كان كله عن اليمن. السعوديون يستعدون لاتخاذ خطوة كبيرة ضد الحوثيين، ويريدون التأكد من أن التحالف المناهض لهم لن يبقى مشتتًا كما كان».
وأضاف أن الإمارات تستطيع أداء دور مهم حتى من دون تدخل عسكري مباشر، من خلال نفوذها على المجلس الانتقالي الجنوبي وطارق صالح، معتبرًا أنها كانت الطرف الأكثر فاعلية في التحالف العسكري سابقًا.
الدفاع الجوي والتعاون مع إسرائيل
تواصل السعودية شن ضربات على الحوثيين، لكنها في المقابل تعرضت لهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ. ووفق التقرير، تعرض مطار الرياض للقصف في وقت سابق من الشهر، كما خرج خط أنابيب «شرق–غرب» مؤقتًا عن الخدمة إثر هجوم قالت المملكة إنه انطلق من العراق، حيث نسّقت فصائل شيعية عراقية مع الحوثيين.
وقال مسؤول أميركي سابق إن السعودية قد تطلب من الإمارات مساعدة في مجال الدفاع الجوي.
وفي الوقت نفسه، تعمل إدارة ترامب على دفع حلفائها الخليجيين، وخصوصًا الإمارات والسعودية وقطر، نحو مزيد من التنسيق.
ويرى التقرير أن التنسيق السعودي–الإماراتي قد يفتح أيضًا المجال أمام تعاون أوسع مع إسرائيل، التي سبق أن نشرت بطارية من منظومة «القبة الحديدية» في الإمارات خلال ذروة المواجهة مع إيران. كما زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإمارات يوم الأحد.
خلافات لم تنتهِ
وعلى الرغم من التفاؤل بإمكانية عودة التعاون السعودي–الإماراتي في اليمن، يحذّر خبراء من استمرار تباعد مواقف البلدين في ملفات أساسية.
ففي يناير، أدانت السعودية اعتراف إسرائيل بصوماليلاند الواقعة على الضفة المقابلة للخليج في منطقة القرن الأفريقي، بينما تمتلك الإمارات ميناءً تجاريًا في بربرة وقاعدة عسكرية هناك.
كما يقف البلدان على طرفي نقيض في الحرب الأهلية السودانية.
وبالتزامن مع لقاء منصور بن زايد، أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالًا هاتفيًا مع قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان، الذي تدعمه الرياض في مواجهة قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، وفق التقرير.
ويرى محللون أن أبوظبي قد تسعى إلى الحصول على تنازلات سعودية في ملفي السودان وصوماليلاند ضمن مسار إعادة ترتيب العلاقات.
ومع ذلك، ترى آنا جاكوبس أن عودة الحوار بين السعودية والإمارات يمكن أن تسهم في خفض التوتر في منطقة البحر الأحمر، ولا سيما في ظل التنافس بين حلفاء الطرفين.
وقالت: «قد تكون لذلك انعكاسات إيجابية على البحر الأحمر عمومًا بسبب المنافسة بالوكالة بين الطرفين. لكن السؤال هو ما إذا كان بالإمكان الحفاظ على هذا التقارب على مستوى عالٍ، لأن المنافسة بينهما بنيوية».









