ليست العبارات التي أطلقها النائب السابق وليد جنبلاط من النوع الذي يمر في الحياة السياسية من دون أن يترك وراءه أسئلة، فالرجل الذي اعتاد اختيار كلماته بدقة، وضع اعتراضه على اتفاق الإطار في سياق يتجاوز مضمون الاتفاق نفسه، عندما تحدث عن تسليم البلد لجماعات لا خبرة لها وهمها السلطة، وهي عبارة دفعت الأوساط السياسية إلى البحث عن الجهة التي قصدها أكثر مما انشغلت بتفسير الموقف بحد ذاته.
وفي متابعة أجراها موقع "الحقيقة"، سُئل عضو اللقاء الديمقراطي النائب هادي أبو الحسن بصورة مباشرة عمن قصده بهذا الكلام، فجاء جوابه واضحاً من دون أن يدخل في تسمية أشخاص، مؤكداً أنه يقصد بعض المستشارين وبعض أعضاء فريق التفاوض، مضيفاً أنه لا يريد الخوض في الأسماء، وأن الصورة بالنسبة إليه واضحة وتتعلق ببعض المستشارين المحيطين بمراكز القرار.
هذا الجواب فتح باباً جديداً للنقاش، لأن كلام جنبلاط لم يُقرأ على أنه اعتراض سياسي تقليدي، وإنما رسالة تحمل انتقاداً للطريقة التي تُدار بها واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان، وسط مفاوضات وضغوط خارجية ومحاولات لإعادة رسم قواعد الاشتباك السياسي والأمني في الجنوب.
وتقول معلومات توافرت لموقعنا من مصادر سياسية واسعة الاطلاع إن ملاحظات جنبلاط لا تستهدف مبدأ التفاوض بحد ذاته، فهو سبق أن أكد دعمه لمسار الدولة وحصرية قرارها، إلا أن اعتراضه يتمحور حول مستوى إدارة الملف، وطبيعة المقاربات القانونية والسياسية التي رافقت صياغة الاتفاق، إضافة إلى القلق من تغييب أصحاب الخبرة في الملفات السيادية لمصلحة دائرة ضيقة من المستشارين الذين بات تأثيرهم يتقدم على المؤسسات الرسمية، وهو ما تعتبره هذه المصادر سبباً مباشراً في تصاعد الاعتراضات داخل أكثر من مرجعية سياسية.
وبحسب المصادر، فإن النقاش داخل الدولة لم يعد يقتصر على تفاصيل الاتفاق، وإنما اتسع ليشمل آلية اتخاذ القرار، وحدود الدور الذي يؤديه المستشارون في الملفات المصيرية، بعدما برز انطباع لدى أكثر من طرف سياسي بأن بعض القرارات الحساسة تُصنع عبر حلقات استشارية بات حضورها أكثر تأثيراً خلال الأشهر الماضية.
وتلفت المصادر عينها إلى أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً فعلياً لهذا المسار ، كَوْن أي تعثر في تنفيذ التفاهمات الأمنية أو أي خلاف حول ملف الانسحاب الإسرائيلي أو ترتيبات الجنوب سيعيد فتح كل الملاحظات التي طُرحت منذ بداية المفاوضات وسيمنح المنتقدين مساحة أوسع للتشكيك بالخيارات التي اعتُمدت منذ انطلاق هذا المسار.
وفي المحصلة، يبدو أن الجملة التي أطلقها جنبلاط لم تكن مجرد موقف سياسي وليد اللحظة، وإنما رسالة موجهة إلى داخل السلطة قبل أن تكون إلى خارجها، ورسالة تحمل تحذيراً من إدارة الملفات الوطنية بعقلية ضيقة في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى أعلى درجات الخبرة السياسية والقانونية لأن أي خطأ في هذه المرحلة لن يبقى محصوراً داخل غرف التفاوض، وإنما ستظهر نتائجه على الأرض وفي توازنات الداخل اللبناني.












