يتحوّل ملف ضباط وعناصر نظام بشار الأسد السابق الموجودين في لبنان من قضية أمنية يجري التعامل معها بعيداً عن الأضواء، إلى أحد الملفات المفتوحة رسمياً بين بيروت ودمشق، مع تأكيد معطيات حكومية لبنانية أن السلطات السورية طرحت خلال زيارات أمنية وعسكرية متعاقبة مسألة تسليم مطلوبين من النظام السابق موجودين على الأراضي اللبنانية.
ولم تعد الاتصالات تقتصر على الاستفسار عن أماكن وجود هؤلاء، بل بات الملف جزءاً من التنسيق المستمر بين الأجهزة اللبنانية والسورية، إلى جانب ملفات ضبط الحدود ومكافحة تهريب الأسلحة والأشخاص ومنع استخدام الأراضي اللبنانية في أي نشاط أمني يستهدف سوريا.
وتؤكد أوساط حكومية لبنانية أن بيروت لا تمانع من حيث المبدأ تسليم أي شخص مطلوب أو متهم أو صادر بحقه حكم قضائي في سوريا، شرط أن تتم العملية وفق القانون والاتفاقيات القضائية النافذة بين البلدين.
لكن حجم الملف يبدو أكبر مما ظهر في البداية.
فالمعطيات المتوافرة تشير إلى أن السلطات اللبنانية تسلّمت خلال الأشهر الماضية قائمتين سوريتين تتعلقان بعناصر وضباط من النظام السابق. وضمت القائمة الأولى أكثر من 200 ضابط ومسؤول سابق، مع طلب بتحديد أماكن وجودهم ومتابعة تحركاتهم، فيما ضمت قائمة ثانية أكثر من 100 شخص قيل إن دخولهم إلى الأراضي اللبنانية عبر طرق غير شرعية جرى توثيقه.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن القائمتين تضمان أكثر من 300 شخص مختلف، إذ قد تكون القائمة الثانية تحديثاً أو استكمالاً يشمل أسماء ورد قسم منها سابقاً.
وتعود حساسية هذا الملف إلى معلومات عن وجود محاولات يقودها مسؤولون سابقون في النظام من الخارج لإعادة تنظيم مجموعات مسلحة وتمويلها، مع حديث عن شبكات مرتبطة بضباط وشخصيات من عهد الأسد تتحرك بين أكثر من دولة.
كما برزت معطيات عن تحركات يقودها من موسكو كل من رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، واللواء كمال حسن، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، بهدف بناء شبكات من المقاتلين واستعادة نفوذ في الساحل السوري، إلى جانب الحديث عن تحويل أموال عبر وسطاء وشبكات موجودة جزئياً في لبنان.
وبذلك، لم يعد القلق السوري مرتبطاً بمجرد إقامة ضباط سابقين في لبنان، بل بإمكان تحول الأراضي اللبنانية إلى مساحة للعمل الأمني أو المالي أو اللوجستي ضد السلطات السورية الجديدة.
وهذا تحديداً ما تقول حكومة الرئيس نواف سلام إنها ترفضه، إذ يقوم الموقف الحكومي على عدم السماح باستخدام لبنان منطلقاً لزعزعة الاستقرار في سوريا أو التدخل في شؤونها، واعتبار أي نشاط أمني أو عسكري تنفذه مجموعات تابعة للنظام السابق على الأراضي اللبنانية مخالفة تستوجب تحرك الأجهزة الأمنية والقضاء.
عادل عيسى… السابقة التي فتحت الباب
التحول الأبرز حصل عملياً في آب الماضي، عندما سلّم لبنان إلى سوريا اللواء عادل عيسى، القائد السابق للفرقة 17 والقوات البرية في دير الزور، بعدما تقدمت دمشق بطلب لاسترداده على خلفية مذكرة توقيف واتهامات تتعلق بالقتل والتعذيب وجرائم أخرى ارتُكبت خلال عهد الأسد.
وقرر النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج تسليمه إلى السلطات السورية، قبل أن تعلن وزارة الداخلية السورية في 20 آب تسلّم عيسى ونقله لاستكمال الإجراءات القضائية في دمشق.
وشكّلت العملية أول حالة تسليم بارزة من هذا النوع منذ سقوط نظام الأسد، ما أعطاها أهمية تتجاوز شخص عيسى نفسه، باعتبارها نموذجاً للطريق القضائي الذي يمكن اعتماده في ملفات أخرى.
ويستند التعاون القضائي بين البلدين إلى الاتفاق القضائي اللبناني–السوري الموقع عام 1951، الذي يتناول تنفيذ الأحكام وتسليم المطلوبين وفق شروط محددة، بينها طبيعة الجرم ومكان ارتكابه والعقوبة المنصوص عليها.
كما وقّع لبنان وسوريا في شباط 2026 اتفاقية جديدة تتعلق بنقل المحكومين بين البلدين، في خطوة عكست إعادة تفعيل قنوات التعاون القضائي الرسمي بين بيروت ودمشق.
إلا أن وجود اسم على لائحة سورية لا يعني حكماً تسليمه تلقائياً، فكل حالة تحتاج إلى تدقيق في الوضع القانوني للشخص، وطبيعة الاتهامات والمذكرات الصادرة بحقه، وكيفية دخوله إلى لبنان، وما إذا كان مطلوباً أيضاً أمام القضاء اللبناني.
ومع توالي الاتصالات واللوائح والتوقيفات، يبدو أن ملف فلول الأسد في لبنان يتجه إلى مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من مراقبة وجودهم إلى التدقيق في نشاطهم، ثم إلى التسليم عندما تتوافر الشروط القضائية.
والسؤال لم يعد ما إذا كانت دمشق تطالب بهم، فهذا بات واضحاً، بل كم اسماً من هذه اللوائح سيتحول إلى ملف قضائي فعلي، ومن سيكون التالي بعد عادل عيسى؟










