الجنوبيون غاضبون ويسألون: لماذا تحركت إيران بعد الضاحية ولم تتحرك مع دمار القرى؟
كتب شادي هيلانة في موقع "الحقيقة"
منذ الساعات الأولى التي أعقبت الرد الإيراني على استهداف الضاحية الجنوبية، برز مشهد لافت في البيئة الشيعية، مشهد لم تصنعه الصواريخ بقدر ما صنعته الأسئلة التي ارتفعت من تحت الركام، أسئلة لا تُقال كثيرًا أمام الكاميرات، لكنها تتردد في المجالس الخاصة وبين العائلات التي دفعت أثمان الحروب المتلاحقة من بيوتها وأرزاقها ومستقبل أبنائها.
تحدث مصدر مقرب من حركة أمل عن امتعاض حاد داخل شريحة واسعة من الجنوبيين، عنوانه شعور متزايد بأن الجنوب تحوّل خلال السنوات الماضية إلى الساحة الأكثر دفعاً للفواتير، فيما تأتي لحظات التحرك الكبرى عندما تتعرض الضاحية الجنوبية للخطر، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا حول الأولويات وحول الجهة التي تتحمل الأثمان والجهة التي تحصد المكاسب السياسية والمعنوية.
ويقول المصدر إن كثيرين يسألون اليوم عن السبب الذي جعل قرى بكاملها تُسوى بالأرض وتُهجر عائلاتها لأشهر طويلة من دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في المشهد، فيما بدا الرد الإيراني بعد استهداف الضاحية سريعًا وحاسمًا ومحملًا برسائل سياسية وعسكرية كبيرة تحت عنوان الدفاع عن لبنان وشعبه، مضيفًا أن هذه المقارنة حضرت بقوة في أحاديث الناس أكثر مما حضرت في الخطابات الرسمية.
وبحسب المصدر عينه، فإن حجم النقمة لا يرتبط بموقف سياسي مجرد، انما بحياة يومية انقلبت رأسًا على عقب، آلاف العائلات لا تزال تحاول لملمة خسائرها، قرى فقدت جزءًا كبيرًا من بنيتها، وأهالٍ يشعرون أنهم كانوا في قلب المعركة وفي قلب الخسارة أيضًا، بينما يشاهدون مشاهد الاحتفالات ورفع الشعارات من أماكن أخرى لم تتعرض لما تعرضوا له بالقدر نفسه.
ويتابع المصدر قائلًا إن الجنوبيين كانوا في مقدمة المتضررين خلال حرب إسناد غزة، ثم وجدوا أنفسهم في قلب تداعيات المواجهة الأوسع المرتبطة بالصراع الإيراني الإسرائيلي، سائلًا بصراحة قاسية، من يعوض على الناس سنوات الخوف والتهجير والخسائر، ومن يشرح لهم لماذا يدفعون الثمن في كل محطة فيما تزداد أوضاعهم صعوبة يوماً بعد يوم؟
وعن العلاقة بين حركة أمل وحزب الله، لا ينكر المصدر حصول احتكاكات وإشكالات من وقت إلى آخر بعيدًا عن الإعلام، موضحًا أن هذه المسائل لا تصل عادة إلى مستوى الانفجار السياسي، لكنها تعكس تباينات حول ملفات عديدة، من بينها طريقة إدارة بعض الشؤون الاجتماعية والخدماتية، وتوزيع المساعدات، والشعور لدى بعض المناصرين بأن الأولوية تمنح أحيانًا لبيئات محددة على حساب أخرى، وهي أمور باتت تثير حساسية متزايدة في ظل الضائقة الاقتصادية والضغوط التي خلفتها الحرب.
وتتقاطع هذه الأجواء مع تقارير وتحليلات صدرت خلال الأشهر الأخيرة وتحدثت عن تململ داخل أوساط محسوبة على الحركة، من موقع الاعتراض على الكلفة البشرية والاجتماعية للحروب المتكررة، وعلى واقع يعتبره كثيرون غير قابل للاستمرار، خصوصاً بعدما اتسعت رقعة الدمار في الجنوب وتبدلت معالم مناطق كاملة كانت تشكل العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية هناك.
ولعل ما لفت الأنظار بعد الضربة الإيرانية الأخيرة أن مشهد الحماسة والاحتفالات ظهر بصورة أوضح داخل جمهور الحزب، فيما بدت أوساط كثيرة قريبة من الحركة غير معنية للتفاعل مع الحدث، وكأن المزاج العام لديها كان منشغلًا بأسئلة أخرى تتعلق بالمصير والخسائر وإعادة الإعمار أكثر من انشغاله بحسابات القوة والردود العسكرية.
في الكواليس الشيعية لا يدور النقاش حول الصواريخ فقط، النقاش يدور حول الناس الذين وجدوا بيوتهم مهدمة، وحول قرى فقدت أبناءها ومواسمها وأعمالها، وحول شعور يتسع بهدوء بأن الجنوب دفع ما يكفي، وأن أي حديث عن الانتصارات يفقد بريقه عندما يمر أمام منزل لم يعد قائمًا أو عائلة ما زالت تعيش بين النزوح والانتظار.
لهذا السبب تحديدًا، لا تبدو المسألة مرتبطة برد عسكري هنا أو ضربة هناك، المسألة أعمق بكثير، إنها معركة الرواية داخل البيئة نفسها، رواية تقول إن الصمود يكفي لتبرير كل شيء، ورواية أخرى تسأل بصوت يزداد ارتفاعاً، من يحاسب على الأكلاف، ومن يملك حق مطالبة الناس بمزيد من التضحيات بعد كل ما جرى.













