المطار الذي أزعج الحزب.. من عطّل القليعات كل هذه السنوات؟
كتب شادي هيلانة في موقع "الحقيقة"
لم تكن الطائرة التي لامست مدرج القليعات حدثًا عاديًا في روزنامة الدولة اللبنانية، في المشهد ما هو أبعد من رحلة رسمية، وما هو أعمق من زيارة حكومية. فهناك صفحة تُفتح في منطقة بقيت لعقود خارج خرائط القرار الفعلي، فيما كانت المشاريع تُدفن تحت أكوام الحسابات السياسية والأمنية والتوازنات التي حكمت البلاد.
عندما حطت أول طائرة مدنية رسميًا في مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات وعلى متنها رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني، بدا المشهد أشبه بإعلان سياسي أكثر منه إجراءً إداريًا، والمياه التي أطلقتها آليات الدفاع المدني فوق الطائرة لم تكن مجرد تقليد متّبع في المطارات حول العالم، وإنما إشارة رمزية إلى بداية مسار ظلّ مجمّدًا لسنوات طويلة.
أكدت مصادر واسعة الاطلاع لموقع "الحقيقة" أن إطلاق مشروع تأهيل وإعادة تشغيل المطار يُعد خطوة تاريخية أنهت مرحلة طويلة من العرقلة، وتقول إن المشروع اصطدم سابقًا برفض سياسي وأمني متكرر، مضيفة أن "حزب الله" كان من أبرز الجهات التي لم تُبدِ حماسة لافتتاح مطار ثانٍ يقع في منطقة جغرافية لا تخضع لنفوذه المباشر أو لقدرته على التأثير في إدارتها ومساراتها التشغيلية.
وتعتبر المصادر أن الواقع اللبناني ظل لسنوات حالة استثنائية، إذ بقي لبنان من بين الدول القليلة التي تعتمد فعليًا على مطار دولي واحد، رغم حاجته الطبيعية إلى شبكة مطارات تتوزع على مختلف المناطق، ومن هذا المنطلق ترى أن تشغيل القليعات يجب أن يشكل بداية لمسار أوسع يشمل أيضًا إعادة إحياء مطار رياق وتحويله إلى منشأة مدنية وعسكرية قادرة على خدمة احتياجات الدولة مستقبلاً.
وتربط المصادر بين هذا التوجه وبين ما تصفه بمرحلة بناء الدولة الكاملة، معتبرة أن معالجة ملف السلاح غير الشرعي وإنهاء مظاهر السلطة الموازية سيمنحان لبنان فرصة لإطلاق مشاريع بنى تحتية كانت مؤجلة بفعل الانقسامات والصراعات الداخلية.
اقتصاديًا، تراهن الحكومة على دور يتجاوز حدود محافظة عكار والشمال، فالمطار، بحسب المصادر عينها، يمتلك قدرة على استقطاب حركة تجارية وسياحية واسعة تمتد من طرابلس إلى البقاع الشمالي، وتتجاوز الحدود اللبنانية نحو الساحل السوري ومدن مثل طرطوس وبانياس وحتى حمص، ما يجعله نقطة عبور إقليمية قادرة على تحريك دورة اقتصادية جديدة في منطقة عانت طويلاً من التهميش.
وتلفت المصادر إلى أن الكلفة التشغيلية للشركات التي ستستخدم مطار القليعات ستكون أقل من تلك المفروضة في مطار بيروت، الأمر الذي قد ينعكس مباشرة على أسعار التذاكر ويمنح شركات الطيران حوافز إضافية لفتح خطوط جديدة، كما يمنح اللبنانيين والسوريين والسياح الأجانب خيارًا أقل كلفة للوصول إلى لبنان، ما قد يساهم في تعزيز الحركة السياحية والاستثمارية خلال السنوات المقبلة.
ورغم المناخ التفاؤلي الذي يرافق المشروع، تشدد المصادر على أن الاختبار الحقيقي يبدأ من الملف الأمني، فالمطار يقع في منطقة حساسة جغرافيًا، ما يفرض إجراءات رقابية صارمة وإدارة أمنية محترفة تحول دون أي اختراق أو نفوذ سياسي لحزب الله داخل مفاصله الإدارية أو التقنية أو الأمنية.
وفي تقدير المصادر، فإن نجاح القليعات لن يُقاس بعدد الطائرات التي ستهبط على مدرجه خلال الأشهر الأولى، وإنما بقدرة الدولة على حماية هذا المرفق من الأمراض نفسها التي عطلت مؤسساتها لعقود، عندها فقط يمكن القول إن لبنان لم يفتتح مطارًا جديدًا فحسب، وإنما استعاد جزءًا من الدولة التي غابت طويلًا.













