محمد بن سلمان يفتتح أعمال السنة الثالثة لمجلس الشورى ويعلن توجهات السعودية في الأمن والاقتصاد والطاقة
افتتح ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، بإلقاء الخطاب الملكي السنوي الذي تناول أبرز توجهات المملكة على المستويين الداخلي والخارجي، واستعرض ما تحقق في إطار «رؤية السعودية 2030»، إلى جانب مواقف الرياض من التطورات الإقليمية والدولية الراهنة.
ويأتي افتتاح السنة الثالثة من الدورة التاسعة في وقت تشهد فيه المنطقة تطورات أمنية وسياسية واقتصادية متسارعة، فيما حمل الخطاب رسائل متعددة بشأن أمن الخليج، وخفض التصعيد، وأمن الطاقة والممرات البحرية، إلى جانب القضية الفلسطينية والأوضاع في اليمن والسودان.
وفي مستهل خطابه، أكد ولي العهد أن المملكة ماضية في الحفاظ على أمنها واستقرارها، مشيراً إلى أن السعودية تمتلك قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة قادرة على التصدي للتهديدات وردعها، أياً كانت مصادرها.
وشدد على أن المملكة «تبذل كل جهد ممكن لخفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية»، مع التأكيد في الوقت نفسه على عدم التهاون في حماية أمنها، مؤكداً أن الرياض «لن تتردد في الرد الحازم على أي تهديد أو اعتداء يستهدف المساس بأمنها».
الأمن الخليجي و«حلف مكة»
وفي ما يتعلق بالخليج، قال الأمير محمد بن سلمان إن الاعتداءات التي استهدفت دول مجلس التعاون تؤكد أن الأمن والاستقرار الخليجيين «كل لا يتجزأ»، مشيراً إلى مواصلة العمل مع دول المجلس لصون الأمن وتعزيز التعاون الاستراتيجي والتكامل الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أعلن أن إنشاء «حلف مكة الدفاعي» بين السعودية وتركيا وباكستان يأتي في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز استقرار المنطقة وتجنيبها تبعات التوترات والصراعات، إضافة إلى تنسيق الجهود بين الدول الثلاث في الملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار.
كما أشار إلى إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات بهدف تعزيز الأمن البحري وحماية المصالح المشتركة في الممرات البحرية الدولية، مشدداً على رفض استخدام هذه الممرات وسيلة للضغط السياسي أو الاقتصادي.
تحذير بشأن أزمة الطاقة
وفي ملف الطاقة، حذر ولي العهد السعودي من أن العالم يواجه أزمة طاقة «مفتوحة الاحتمالات»، مؤكداً أن المملكة واصلت أداء دورها في أمن الطاقة العالمي عبر توفير الإمدادات النفطية للأسواق الدولية رغم التصعيد.
ودعا المجتمع الدولي إلى الإسراع في تحمل مسؤولياته لضمان التدفق الآمن للسلع الأساسية والمساعدات الإنسانية، والعمل على خفض التصعيد ونزع فتيل التوترات بما يعزز الاستقرار الإقليمي والدولي.
فلسطين في صدارة المواقف الخارجية
وفي الشأن الفلسطيني، دان الأمير محمد بن سلمان استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة والانتهاكات بحق المسجد الأقصى، داعياً المجتمع الدولي، وخصوصاً مجلس السلام، إلى القيام بدوره للوصول إلى حل سياسي دائم.
وأكد أن التزام المملكة بحقوق الشعب الفلسطيني «موقف راسخ» وجهد مستمر، مشدداً على مواصلة الرياض جهودها إلى حين حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة، بما في ذلك إقامة دولتهم المستقلة وفق المرجعيات الدولية.
كما جدد موقف المملكة الداعم لوحدة اليمن واستقراره، مؤكداً دعم الحكومة اليمنية لبسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار، ومواجهة اعتداءات جماعة الحوثي.
وفي ما يتعلق بالسودان، أكد ولي العهد دعم المملكة لوحدة البلاد واستقرارها والمحافظة على مؤسساتها الشرعية، والعمل على تجنيب الشعب السوداني تداعيات الحرب والدمار.
عشر سنوات من «رؤية 2030» وأرقام جديدة
وعلى الصعيد الداخلي، استعرض الأمير محمد بن سلمان ما تحقق خلال السنوات العشر الماضية من عمر «رؤية السعودية 2030»، مشيراً إلى أن مؤشرات أداء برامج واستراتيجيات الرؤية حققت 93% من مستهدفاتها.
وقال إن الصادرات غير النفطية سجلت نمواً بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، فيما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%، في وقت واصلت فيه المملكة العمل على تنويع مصادر الاقتصاد وتعزيز دور القطاعات غير النفطية.
وأشار ولي العهد إلى أن صندوق الاستثمارات العامة بدأ تنفيذ استراتيجيته للسنوات الخمس المقبلة، مع التركيز على بناء منظومات اقتصادية محلية ذات قدرات تنافسية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والمحتوى المحلي، إلى جانب تحقيق عوائد مالية مستدامة.
وأكد أن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها المملكة أسهمت في تعزيز تنوع الاقتصاد ورفع قدرته على مواجهة الأزمات والتعامل مع المتغيرات العالمية، مشيراً إلى أن الظروف الحالية أظهرت، بحسب الخطاب، مرونة الاقتصاد الوطني ونضج قدرات المؤسسات واستدامة المالية العامة.
الذكاء الاصطناعي في صدارة المرحلة المقبلة
وفي الجانب التقني، شدد الأمير محمد بن سلمان على أهمية مواصلة الاستثمار في التكنولوجيا والقطاعات المستقبلية، مشيراً إلى أن المملكة أطلقت عام 2026 تحت مسمى «عام الذكاء الاصطناعي»، في إطار توجهها إلى تعزيز موقعها العالمي في تطوير تطبيقات وحلول الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن الهدف يتمثل في توظيف هذه التقنيات لرفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وتدريب الكفاءات السعودية، بما ينسجم مع التحول الاقتصادي والتقني الذي تستهدفه «رؤية 2030». وكانت الحكومة السعودية قد أقرت رسمياً تسمية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي».
وأشار الخطاب كذلك إلى تقدم المملكة في عدد من المؤشرات الرقمية، ومنها الجاهزية الرقمية وتنمية الاتصالات والتقنية والأمن السيبراني، إضافة إلى تسجيلها حضوراً متقدماً في مؤشرات نضج الحكومات الرقمية.
الاستثمار في المواطن والخدمات
وأكد ولي العهد أن الاستثمار في الإنسان السعودي يمثل محوراً أساسياً في المرحلة المقبلة، مع مواصلة تطوير قطاعات التعليم والصحة والخدمات، وتعزيز قدرات المواطنين والمواطنات وتأهيلهم لمتطلبات سوق العمل.
كما تطرق إلى مواصلة معالجة التحديات المرتبطة بالقطاع العقاري وتوسيع الخيارات السكنية للمواطنين، بالتوازي مع تعزيز جودة الخدمات الحكومية وتطوير القطاعات ذات الأولوية.
وشدد على أن جوهر السياسة الاقتصادية للمملكة يتمثل في تنمية القدرات والإمكانات الوطنية، وتمكين القطاعات الواعدة، واستقطاب الاستثمارات المحلية والدولية، وتوجيه الموارد نحو المجالات ذات الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأعلى، بما يحافظ على استدامة التنمية والمكتسبات للأجيال المقبلة.
مجلس الشورى.. حصيلة السنة الماضية
وتزامن افتتاح السنة الثالثة للدورة التاسعة مع استعراض مجلس الشورى حصيلة أعمال السنة الثانية، التي شهدت عقد 46 جلسة وإصدار 555 قراراً تناولت تقارير الجهات الحكومية والأنظمة واللوائح ومذكرات التفاهم والتعاون.
كما عقدت اللجان المتخصصة في المجلس 376 اجتماعاً، بمشاركة 331 مسؤولاً من الجهات ذات العلاقة، فيما سجل المجلس 135 نشاطاً برلمانياً داخلياً وخارجياً ضمن مسار الدبلوماسية البرلمانية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الملفات التي يناقشها المجلس في إطار دوره التشريعي والرقابي، بالتزامن مع انتقال المملكة إلى المرحلة الثالثة والأخيرة من «رؤية 2030»، التي تستهدف البناء على ما تحقق خلال المرحلتين السابقتين وتسريع وتيرة الإصلاح والتنمية.
رسالة للمرحلة المقبلة
ويحمل الخطاب الملكي السنوي في افتتاح مجلس الشورى دلالات تتجاوز استعراض الإنجازات، إذ يرسم الأولويات العامة للمرحلة المقبلة، في وقت تركز فيه السعودية على تثبيت أمنها في ظل التوترات الإقليمية، وتعزيز العمل الخليجي المشترك، وحماية أمن الطاقة والملاحة، بالتوازي مع مواصلة التحول الاقتصادي والتقني.
وبينما أكد ولي العهد تمسك المملكة بالمسارات الدبلوماسية وخفض التصعيد، شدد في المقابل على جاهزية السعودية لحماية أمنها ومصالحها، في رسالة جمعت بين التحرك السياسي والقدرات الدفاعية، فيما وضع الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل والذكاء الاصطناعي والاستثمار في الكفاءات الوطنية في صلب أولويات المرحلة المقبلة.









