بين التصعيد والتفاوض: انعكاسات المسار الأميركي–الإيراني على لبنان
إ.ش- موقع الحقيقة
تشهد العلاقات بين إيران والولايات المتحدة مرحلة شديدة التعقيد، تتراوح بين التصعيد العسكري والضغوط الاقتصادية من جهة، ومحاولات إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة من جهة أخرى. هذه الحالة “الهجينة” من اللاسلم واللاحرب لا تنعكس فقط على الإقليم، بل تمتد آثارها مباشرة إلى لبنان، الذي يقف تقليديًا في قلب التوازنات المرتبطة بهذا الصراع.
أولًا: طبيعة المفاوضات الحالية
المفاوضات بين واشنطن وطهران لم تعد محصورة بالملف النووي كما كان الحال في السنوات السابقة، بل أصبحت أكثر تشعبًا، لتشمل ملفات الأمن الإقليمي، النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، وحرية الملاحة في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز.
في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة استراتيجية “الضغط الأقصى المعدّل”، أي الجمع بين العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية، مع ترك باب التفاوض مفتوحًا بشروط أكثر تشددًا.
أما إيران، فتسعى إلى تثبيت معادلة ردع تقوم على إظهار قدرتها على تعطيل المصالح الأميركية في المنطقة، سواء عبر أدواتها المباشرة أو عبر حلفائها الإقليميين، مع الحفاظ على هامش تفاوضي يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
ثانيًا: الاقتصاد كأداة ضغط مركزية
العامل الاقتصادي يبقى العنصر الحاسم في هذه المواجهة. فالعقوبات الأميركية لا تستهدف فقط تقليص القدرات المالية لإيران، بل تهدف إلى إضعاف قدرتها على تمويل حلفائها في المنطقة.
في المقابل، تحاول طهران الالتفاف على هذه العقوبات عبر شبكات تجارية بديلة، وعلاقات متنامية مع قوى مثل الصين وروسيا.
لكن اللافت هو أن الاقتصاد بات أيضًا ساحة تفاوض غير معلنة:
• تخفيف العقوبات مقابل ضبط السلوك الإقليمي
• أو العكس: تصعيد ميداني مقابل تنازلات اقتصادية
هذه المعادلة تجعل أي تطور في المفاوضات مرتبطًا بشكل مباشر بأسعار الطاقة، حركة التجارة العالمية، واستقرار الأسواق.
ثالثًا: لبنان كحلقة هشّة في المعادلة
لبنان يُعد من أكثر الدول تأثرًا بهذا المسار، نظرًا لعدة عوامل بنيوية:
1. الارتباط السياسي–الأمني بمحور إيران
وجود قوى سياسية وعسكرية مرتبطة بإيران يجعل لبنان جزءًا من شبكة النفوذ الإقليمي، وبالتالي ساحة محتملة للضغط أو الرسائل المتبادلة.
2. الهشاشة الاقتصادية غير المسبوقة
في ظل الانهيار المالي المستمر، أصبح الاقتصاد اللبناني شديد الحساسية لأي تغير إقليمي، خصوصًا ما يتعلق بأسعار النفط والتحويلات المالية والتدفقات النقدية.
3. غياب القدرة على الحياد الفعلي
رغم الخطاب الرسمي، لا يمتلك لبنان أدوات حقيقية لتحييد نفسه عن الصراع، ما يجعله عرضة للتأثر دون امتلاك القدرة على التأثير.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة وتأثيرها على لبنان
يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار العلاقة الأميركية–الإيرانية، لكل منها انعكاسات مختلفة على لبنان:
1. سيناريو التهدئة النسبية
في حال التوصل إلى تفاهمات جزئية (حتى لو غير معلنة)، قد نشهد:
• انخفاض مستوى التوتر الأمني في المنطقة
• تحسن نسبي في المناخ الاقتصادي
• إمكانية إعادة تحريك بعض المساعدات الدولية للبنان
لكن هذا السيناريو لن يعني بالضرورة حل الأزمة اللبنانية، بل فقط تخفيف الضغوط.
2. سيناريو التصعيد المحدود
وهو الأكثر ترجيحًا في المدى القريب، حيث:
• تستمر الضغوط والعقوبات
• تحدث مواجهات موضعية أو رسائل عسكرية محدودة
• يبقى لبنان في حالة “الانتظار القلق”
في هذا السياق، يتأثر لبنان عبر:
• تقلبات سعر الصرف
• تراجع الاستثمارات
• زيادة الضغوط على القطاع المصرفي
3. سيناريو المواجهة المفتوحة
وهو الأقل احتمالًا لكنه الأخطر، حيث:
• قد يتحول لبنان إلى ساحة مواجهة مباشرة أو غير مباشرة
• انهيار إضافي في الاقتصاد
• تعطّل كامل لأي مسار إصلاحي أو دعم دولي
خامسًا: الاقتصاد اللبناني بين الرهينة والمتغير
الاقتصاد اللبناني اليوم ليس فقط هشًا، بل أصبح مرتبطًا بشكل غير مباشر بمسار التفاوض الأميركي–الإيراني.
فأي تخفيف للعقوبات على إيران قد ينعكس إيجابًا عبر زيادة السيولة في المنطقة، وربما دعم غير مباشر لبعض القطاعات في لبنان.
في المقابل، أي تشديد في العقوبات أو تصعيد عسكري سيؤدي إلى:
• ارتفاع كلفة الاستيراد
• ضغط إضافي على الليرة
• تراجع القدرة الشرائ
وعليه يقف لبنان اليوم في موقع المتلقي لتداعيات صراع أكبر منه، دون أن يمتلك أدوات فعالة لحماية نفسه. وبينما تستمر لعبة التوازنات بين واشنطن وطهران، يبقى الداخل اللبناني رهينة لهذه التحولات، سياسيًا واقتصاديًا.
المفارقة أن الحلول الحقيقية لأزمة لبنان تبقى داخلية بالدرجة الأولى، لكن فرص تطبيقها تظل مرهونة إلى حد كبير بمناخ إقليمي مستقر، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل المسار الحالي للمفاوضات.













