مطار بيروت يترقب صيف الهدنة... وسياحة لبنان بين الأمل والقلق
إ.ن- موقع الحقيقة
رغم الهدنة الهشّة التي لا تزال تتحكم بالمشهد الأمني في لبنان، بدأت حركة مطار رفيق الحريري الدولي تستعيد جزءاً من نشاطها تدريجياً، وسط ترقب حذر لموسم سياحي يأمل اللبنانيون أن يشكّل متنفساً اقتصادياً بعد سنوات من الانهيار والأزمات والحروب المتلاحقة. فالمطار، الذي لطالما كان المؤشر الأسرع على نبض البلاد اقتصادياً وسياحياً، يعكس اليوم حالة مزدوجة من الأمل والقلق؛ أمل بعودة المغتربين والسياح، وخوف دائم من أي تصعيد أمني قد يطيح بالموسم قبل انطلاقه الكامل.
وخلال الأسابيع الماضية، شهدت حركة الطيران تحسناً نسبياً مع عودة عدد من شركات الطيران العربية والأجنبية إلى تسيير رحلاتها نحو بيروت، بالتزامن مع تراجع حدة التوتر العسكري في المنطقة. كما ارتفع عدد الرحلات اليومية مقارنة بفترة الحرب، في وقت بدأت فيه صالات الوصول تستعيد جزءاً من الحركة التي غابت لأشهر طويلة تحت ضغط المخاوف الأمنية والتحذيرات الدولية من السفر إلى لبنان.
وتشير تقديرات العاملين في قطاع الطيران والسياحة إلى أن أعداد الوافدين بدأت ترتفع تدريجياً، خصوصاً من اللبنانيين المغتربين الذين يراقبون الوضع الأمني بحذر قبل اتخاذ قرار تمضية الصيف في بلدهم. ويعوّل لبنان بشكل أساسي على هذه الفئة لإنقاذ الموسم السياحي، في ظل استمرار تردد السياح الأجانب والخليجيين بسبب المخاوف المرتبطة بإمكانية تجدّد المواجهات العسكرية في أي لحظة.
ويؤكد عاملون في القطاع السياحي أن الحجوزات الصيفية الحالية تبقى حذرة وغير مستقرة، إذ ترتفع مع كل هدوء أمني وتتراجع فور أي تصعيد أو تهديد جديد. لذلك، يبدو الموسم الحالي مرتبطاً بشكل مباشر بمسار الهدنة ومدى قدرتها على الصمود خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع اقتراب ذروة الصيف التي تشكل عادة الفترة الذهبية للقطاع السياحي في لبنان.
ويشكّل الموسم السياحي هذا العام أهمية استثنائية للاقتصاد اللبناني المنهك، بعدما تحولت السياحة خلال السنوات الأخيرة إلى أحد المصادر الأساسية لتدفق العملات الأجنبية إلى البلاد. كما تعتمد آلاف المؤسسات، من فنادق ومطاعم ومقاهٍ وشركات نقل ومتاجر، على حركة الصيف لتأمين جزء كبير من مداخيلها السنوية، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية للبنانيين.
وفي هذا السياق، تراهن المؤسسات السياحية على عودة النشاط إلى المناطق التي تُعتبر أكثر استقراراً وأمناً، مثل المناطق الجبلية والساحلية في كسروان وجبيل والشمال، حيث بدأت بعض الفنادق والمطاعم تتلقى استفسارات وحجوزات أولية لموسم الصيف. إلا أن هذه الحركة لا تزال دون مستويات المواسم السابقة، فيما تتعامل المؤسسات بحذر شديد مع توقعات الموسم، تفادياً لأي خسائر جديدة في حال تدهور الوضع الأمني.
ولا تقتصر التحديات على العامل الأمني فقط، بل تشمل أيضاً ارتفاع كلفة السفر إلى لبنان، وأسعار بطاقات الطيران، وكلفة التشغيل المرتفعة في القطاع السياحي، إضافة إلى استمرار الأزمة المالية وانعكاساتها على الخدمات والبنية التحتية. كما تواجه شركات السياحة والسفر صعوبة في بناء برامج طويلة الأمد أو تقديم عروض ثابتة، بسبب الضبابية السياسية والأمنية التي تحيط بالبلاد.
في المقابل، يحاول لبنان الرسمي إرسال رسائل طمأنة إلى الخارج عبر التأكيد على استمرار عمل مطار بيروت والمرافق الحيوية بشكل طبيعي، إلى جانب تنفيذ بعض الخطوات التنظيمية واللوجستية لتحسين خدمات المطار واستيعاب الحركة المتوقعة خلال الصيف. وتراهن السلطات على أن استقرار الوضع الأمني ولو نسبياً قد يسمح بعودة تدريجية للثقة، وخصوصاً لدى المغتربين اللبنانيين الذين يشكلون العمود الفقري للموسم السياحي الحالي.
لكن المشهد العام لا يزال محكوماً بالحذر. فالمطار الذي يستعيد تدريجياً حركة الوافدين، يبقى في الوقت نفسه مرآة دقيقة للهشاشة التي يعيشها لبنان. أي توتر أمني جديد قد ينعكس فوراً على حركة الطيران والحجوزات والفنادق والأسواق، ما يجعل الاقتصاد اللبناني بأكمله معلقاً على استقرار مؤقت لم تتكرس ضماناته بعد.
وبين التفاؤل الحذر والخوف من المجهول، يدخل لبنان صيفاً جديداً محمّلاً بالرهانات. فإما أن تنجح الهدنة في منح البلاد فرصة لالتقاط أنفاسها اقتصادياً وسياحياً، وإما أن تعود التوترات لتضع موسماً جديداً في دائرة الخسائر، في بلد باتت مواسمه مرتبطة أكثر بالأمن والسياسة من ارتباطها بالسياحة والاصطياف.













