يدخل الجنوب اللبناني مرحلة بالغة الخطورة، مع توسّع العمليات الإسرائيلية في محيط تلّة علي الطاهر وانتقالها تدريجياً من الضربات المتفرقة إلى محاولات فرض واقع أمني جديد على الأرض.
وتُظهر المعطيات الميدانية أن إسرائيل تعتمد سياسة القضم البطيء، من خلال القصف والنسف والتجريف وعزل المناطق المحيطة بالتلّة، من دون الذهاب حتى الآن إلى اجتياح واسع. ولا تنحصر هذه العمليات بعلي الطاهر، بل تمتد إلى عدد من المحاور الجنوبية، ما يثير مخاوف من محاولة إنشاء منطقة عازلة فعلية داخل الأراضي اللبنانية.
وتكتسب التلّة أهمية استراتيجية بسبب ارتفاعها وإشرافها على مساحات واسعة من النبطية والقطاع الشرقي، فضلاً عن ارتباطها بمحاور قلعة الشقيف والخيام وإصبع الجليل. لذلك، لا تبدو المعركة حول موقع واحد، بل حول السيطرة على نقطة قادرة على التأثير في المشهد العسكري للجنوب بأكمله.
في المقابل، يتمسك حزب الله بمواقعه ويرفض تسليم الأنفاق والتحصينات وفق الشروط المطروحة، فيما تعتبر إسرائيل بقاءها خارج سلطة الجيش ذريعة لمواصلة عملياتها. وبين الطرفين، يجد الجيش اللبناني نفسه أمام مهمة معقدة، إذ يُطلب منه الانتشار وتسلّم المواقع ومنع عودة السلاح إليها، من دون أن يتحول إلى طرف في مواجهة داخلية.
سياسياً، تتمسك الدولة بالمفاوضات باعتبارها الطريق الأقل كلفة لوقف التصعيد وانتزاع انسحاب إسرائيلي. لكن المشكلة أن التحرك الدبلوماسي يسير ببطء، بينما تواصل إسرائيل تغيير الوقائع الميدانية بسرعة، ما قد يضعف الموقف اللبناني في أي جولة تفاوضية مقبلة.
وتضغط واشنطن باتجاه معالجة ملف السلاح وتعزيز انتشار الجيش، بالتوازي مع العمل على زيادة الدعم المقدم للمؤسسة العسكرية. كما يتحرك لبنان عربياً لتوفير غطاء سياسي ولوجستي للجيش، وسط تأكيدات على دعم سيادة الدولة وأمنها.
أمام هذا المشهد، تبدو تلّة علي الطاهر اختباراً لثلاثة أطراف: الدولة وقدرتها على فرض سلطتها، حزب الله واستعداده لتسليم مواقعه، وإسرائيل ومدى استعدادها للانسحاب مقابل انتشار الجيش.
أما الخطر الأكبر، فيكمن في استمرار المراوحة. فكل يوم يمر من دون اتفاق يمنح إسرائيل وقتاً إضافياً لتوسيع عملياتها، ويجعل العودة إلى الوضع السابق أكثر صعوبة. وبالتالي، باتت المرحلة تتطلب مساراً متزامناً يضمن انسحاباً إسرائيلياً واضحاً، وانتشاراً فعلياً للجيش، ومعالجة ملف السلاح، قبل أن تتحول علي الطاهر من عقدة ميدانية إلى شرارة مواجهة أوسع.









