منذ انطلاق المسار التفاوضي الذي يقوده رئيس الجمهورية جوزاف عون، تتجه الأنظار إلى موقع رئيس مجلس النواب نبيه بري، باعتباره الشخصية السياسية الأكثر تأثيراً داخل البيئة الشيعية والأكثر قدرة على إدارة التوازنات الدقيقة بين الداخل والخارج.
ويبدو أن بري اختار العمل على مسارين متوازيين؛ الأول علني يقوم على خطاب أكثر تشدداً يراعي حساسية المرحلة السياسية والحسابات المرتبطة بشارعه السياسي، فيما يتخذ المسار الثاني طابعاً مؤسساتياً أكثر تأثيراً، يتمثل باستمرار دعمه للمسار التفاوضي الذي يقوده رئيس الجمهورية.
فحتى في اللحظات التي لوّح فيها حزب الله بانسحاب وزرائه من الحكومة اعتراضاً على بعض القرارات، بقي وزراء حركة أمل جزءاً من المعادلة الحكومية، وشاركوا في تأمين الغطاء السياسي لاستمرار عمل المؤسسات ومنع إسقاط الحكومة. كما لم يترددوا في التصويت على قرارات وزارية لم تكن تحظى بقبول حزب الله، في مؤشر واضح إلى وجود تمايز بين إدارة بري السياسية ومواقف الحزب.
ولا يقتصر هذا التمايز على العلاقة مع رئاسة الجمهورية فقط، بل يظهر أيضاً في التواصل المستمر بين بري ورئيس الحكومة نواف سلام، حيث حافظ رئيس المجلس على قنوات اتصال مفتوحة معه، في إطار إدارة الملفات الحكومية الحساسة ومنع انتقال الخلافات السياسية إلى تعطيل عمل الدولة.
ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما كشفه سلام نفسه حول زيارته إلى بلدة زوطر، حيث أوضح أن الزيارة جاءت بتنسيق مع الرئيس نبيه بري، في إشارة إلى أن التواصل بين الطرفين لم ينقطع، وأن بري لا يزال يتعامل مع رئاسة الحكومة باعتبارها جزءاً أساسياً من مسار إدارة الدولة، رغم التباينات السياسية القائمة.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية عند التوقف عند ما قاله الرئيس جوزاف عون في واشنطن، حين سُئل عمّا إذا كان بري يدعم المسار التفاوضي. فالرئيس لم يكتفِ بنفي وجود أي خلاف معه، بل وصفه بـ”رجل الدولة” الذي يدرك حجم التحديات التي يواجهها لبنان والجنوب، مضيفاً أنه يعلم أن بري لا يريد استمرار الحرب ولا تدمير ما تبقى من البلاد، لكنه يدرك في الوقت نفسه حجم الضغوط التي يتحرك ضمنها.
هذا الموقف لا يمكن قراءته على أنه مجرد مجاملة سياسية، بل يعكس مستوى التنسيق القائم بين الرجلين، والذي يبدو أنه لا يزال قائماً رغم تباين اللغة السياسية المستخدمة في العلن.
والأكثر دلالة أن الرئيس عون قدّم بري أمام المجتمع الدولي بوصفه “زعيم الشيعة في لبنان”، او “الاخ الأكبر لحزب الله” من دون أي إشارة إلى الدور التمثيلي لحزب الله، في رسالة سياسية تحمل أبعاداً داخلية وخارجية تتجاوز الشكل البروتوكولي للكلام.
وعليه، تبدو الصورة أكثر وضوحاً اليوم؛ فبينما يرفع بري سقف خطابه السياسي حيناً، فإنه عملياً لا يزال جزءاً أساسياً من المسار الذي تقوده مؤسسات الدولة. فالرجل يدرك أن أي مواجهة داخلية لن تنتج حلاً، وأن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها يبقى المدخل الوحيد لحماية لبنان.
الرسالة التي أراد جوزاف عون إيصالها من واشنطن تبدو واضحة: هو من يقود هذا الملف باسم الدولة اللبنانية، ونبيه بري شريك في هذا المسار لا خصم له، مهما بدت المواقف العلنية أكثر تشدداً في بعض الأحيان.













