في علي الطاهر، لم تسقط تلة فقط. سقطت رواية كاملة، وسقط معها كل الكلام عن الردع والخطوط الحمراء وحماية الجنوب. لسنوات، قيل للبنانيين إن سلاح حزب الله موجود لأن الدولة عاجزة، وإنه موجود لمنع إسرائيل من الوصول إلى الأرض. لكن عندما جاءت لحظة الامتحان، ظهر الفرق بين الشعارات والنتائج.
كان المطلوب واضحاً: تسليم علي الطاهر إلى الدولة اللبنانية، إلى الجيش اللبناني، إلى السلطة الشرعية. لم يكن المطلوب تسليمها لإسرائيل، ولا التنازل عن الأرض. كان المطلوب أن تعود أرض لبنانية إلى جيش لبنان. لكن حزب الله رفض، وتعنت، واعتبر أن التسليم تحت الضغط الإسرائيلي تنازل لا يجوز القبول به.
ثم جاءت النتيجة.
ما رفض حزب الله أن يسلّمه للدولة اللبنانية، انتهى عملياً في يد إسرائيل.
وهذه وحدها تختصر كل شيء.
ماذا حمى الرفض؟ لم يحمِ الأرض. ماذا حمى السلاح؟ لم يمنع إسرائيل من الوصول. ماذا بقي من الردع؟ بقيت الدولة اللبنانية تحاول أن تلملم النتائج، فيما أصبح الموقع الذي رفض الحزب تسليمه إلى الجيش جزءاً من واقع عسكري فرضته إسرائيل.
هذه ليست بطولة. هذه كارثة سياسية.
السابقة الخطيرة لم تكن أن يدخل الجيش اللبناني إلى علي الطاهر. السابقة الخطيرة هي أن يكون دخول الجيش اللبناني إلى أرضه موضع رفض، بينما يصبح دخول الجيش الإسرائيلي إليها أمراً واقعاً. أن يصبح العلم اللبناني مشكلة، بينما يصبح فرض إسرائيل لواقع جديد نتيجة يمكن تبريرها بالخطابات.
من أعطى حزب الله حق أن يقرر أين ينتشر الجيش اللبناني وأين لا ينتشر؟ ومن أعطاه حق تحديد متى تكون الدولة مؤهلة لاستعادة أرضها؟ وكيف يمكن لحزب أن يقول إن سلاحه موجود لأن الدولة ضعيفة، ثم يمنع الدولة كلما حاولت أن تصبح أقوى؟
هنا تنهار الحجة كلها.
إذا كان السلاح موجوداً إلى حين قيام الدولة، فلماذا يُمنع الجيش عندما يأتي؟ وإذا كانت الأولوية حماية الأرض، فلماذا يصبح الحفاظ على القرار العسكري للحزب أهم من تسليم الأرض إلى الدولة؟
المشكلة أن ما حصل في علي الطاهر ليس حادثة منفصلة. هو نتيجة مسار كامل بدأ عندما قرر حزب الله إدخال لبنان في “حرب الإسناد” من خارج قرار الدولة. اللبنانيون لم يقرروا الحرب، والدولة لم تكن صاحبة القرار، وأهل الجنوب لم يُسألوا إن كانوا يريدون تحويل قراهم إلى جزء من مواجهة إقليمية.
لكن اللبنانيين دفعوا الثمن.
دمار، نزوح، خسائر، قرى مهدمة، واقتصاد منهك. ثم دخلت إسرائيل إلى مواقع لم تكن موجودة فيها قبل الحرب. وبعدما كان الخطاب يتحدث عن الردع وتحرير الأرض، صار لبنان يبحث عن كيفية استعادة ما كان يملكه أساساً قبل فتح الجبهة.
وهنا يجب أن تتوقف الشعارات.
كان السلاح يفترض أن يمنع إسرائيل من التقدم، فتقدمت. كان يفترض أن يحمي القرى، فدُمرت قرى. كان يفترض أن يرفع سقف لبنان، فإذا بلبنان يقاتل سياسياً ليستعيد ما خسره. وكان يفترض أن يكون بديلاً مؤقتاً عن ضعف الدولة، فإذا به يتحول إلى أحد أسباب ضعفها.
ولا أحد يعفي إسرائيل من مسؤوليتها. إسرائيل مسؤولة عن أي احتلال أو اعتداء أو توغل في أرض لبنانية. لكن الاعتداء الإسرائيلي لا يلغي المسؤولية الداخلية. من يمنع الدولة من بسط سلطتها، ومن يحتكر قرار الحرب والسلم، ومن يرفض تسليم الأرض إلى الجيش، لا يستطيع بعد ذلك أن يغسل يديه من النتيجة.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة اللبنانية تعتمد التفاوض والوساطات لاستعادة محتجزين لبنانيين، كان المشهد في علي الطاهر يقول شيئاً آخر تماماً: دولة تحاول أن تستعيد أبناءها، وحزب يرفض أن يعيد أرضها إلى جيشها.
وهنا المفارقة الموجعة.
حين يحتاج لبنان إلى استعادة أسير، يحتاج إلى الدولة. حين يحتاج إلى وقف حرب، يحتاج إلى الدولة. حين يحتاج إلى إعمار، يحتاج إلى الدولة. وحين يحتاج إلى تفاوض، يعود إلى الدولة. لكن حين يأتي قرار الحرب، يصبح القرار خارج الدولة.
فأي دولة هذه؟
والأقسى أن علي الطاهر كشفت شيئاً أكبر: يبدو أحياناً أن الحفاظ على السلاح أهم من الحفاظ على الأرض. يمكن أن تُقصف القرى، ويمكن أن يهجّر الناس، ويمكن أن تخسر المواقع، لكن الشيء الذي لا يجوز المساس به هو حق حزب الله في الاحتفاظ بالقرار العسكري.
ولهذا يصبح تسليم موقع للجيش اللبناني أصعب من خسارته أمام إسرائيل.
وهنا لا تحتاج المسألة إلى كثير من الفلسفة.
رفضتم تسليم علي الطاهر للجيش اللبناني.
لم تستطيعوا منع إسرائيل من الوصول إليها.
انتهت القصة.
ما رفض حزب الله أن يسلّمه للدولة اللبنانية، انتهى عملياً في يد إسرائيل.
وهذه ليست “مقاومة ناجحة”. هذه نتيجة سياسية وعسكرية يجب أن تُحاسب.
منذ سنوات، كان الحزب يبني شرعيته على أنه يحمي الأرض. وبعد علي الطاهر، أصبح السؤال أبسط من كل خطابات المقاومة: إذا لم تستطع حماية الأرض، وإذا كنت في الوقت نفسه تمنع الدولة من استلامها، فما الذي بقي من مبرر وجود هذا السلاح؟
بعد علي الطاهر، لم تعد المشكلة فقط في موقع سقط أو في معركة خُسرت. المشكلة أن الفكرة نفسها انكشفت. فكرة أن هناك دولة داخل الدولة تستطيع حماية لبنان أكثر من جيشه ومؤسساته، سقطت أمام الواقع.
وعندما يصبح مشروعك سبباً في إضعاف الدولة، وعندما تمنع جيش بلدك من تسلم أرضه، ثم تعجز عن منع العدو من الوصول إليها، لا يبقى الكثير ليقال.
حزب الله إلى مزبلة التاريخ.
ليس لأن خصومه يريدون ذلك، بل لأن المشاريع تُحاكم بنتائجها. ومن يترك وراءه دولة أضعف، وجنوباً مدمراً، وقراراً وطنياً مصادراً، وأرضاً أكثر عرضة للاحتلال، لا يستطيع أن يطلب من الناس أن يقيسوا نجاحه بعدد الخطب والصواريخ.
التاريخ لا يسجل كم مرة قيل “سننتصر”. التاريخ يسجل ماذا بقي بعد المعركة.
وفي علي الطاهر بقيت حقيقة واحدة واضحة: الدولة مُنعت من أن تدخل أولاً، وإسرائيل وصلت بعدها.
وهذا ليس انتصاراً.
هذا انهيار معادلة كاملة.
في علي الطاهر، لم تمت تلة.
بس مات وطن!















