من أول شتوة إلى أول حجر... أين الدولة؟
في لبنان، لا تحتاج إلى كارثة كبرى لتكتشف غياب الدولة. يكفي أن تهطل الأمطار قليلًا، أو أن تمرّ سيارة فوق جسر، حتى تتكشف أمامنا حقيقة مؤلمة: دولةٌ غائبة حين يجب أن تكون حاضرة، وحاضرة غالبًا بعد وقوع الكارثة، في البيانات والتبريرات.
اليوم، هطلت الأمطار في لبنان في شهر آب، وكأن السماء أرادت أن تختبر جهوزية الدولة قبل أوان الشتاء. والنتيجة كانت صادمة: طرقات تغرق بالمياه، وحركة سير تختنق، ومشاهد تتكرر كل عام وكأننا أمام أول شتوة في تاريخ البلاد. على أوتوستراد جونية والبترون، تحولت بعض المقاطع إلى برك ومستنقعات، ليعود السؤال الذي يتكرر مع كل موسم أمطار: أين مشاريع تصريف مياه الأمطار؟ وأين صيانة الأقنية وشبكات التصريف وتأهيل الطرق؟ أين الدولة ودورها في الاستعداد لموسم تعرف مسبقًا أنه قادم، بدل انتظار الأضرار للتحرك؟
إذا كانت أمطار آب، قبل أن يبدأ فصل الشتاء فعليًا، قادرة على شلّ طرقات رئيسية وإغراقها بالمياه، فماذا تركنا للعواصف والأمطار الغزيرة؟ ماذا سيحدث عندما تبدأ الأمطار المتواصلة وترتفع منسوبات المياه وتصبح الطرقات غير سالكة؟
المشكلة ليست في المطر. المطر ليس مفاجأة، والشتاء ليس حدثًا طارئًا. المشكلة في دولة تعرف أن الشتاء يأتي كل عام، لكنها تتصرف كل عام وكأنها فوجئت به.
لكن غياب الدولة لا يظهر فقط في الطرقات والبنى التحتية، بل أيضًا عندما تصبح سلامة المواطن رهينة الفوضى والإفلات من العقاب.
اليوم أيضًا، وقعت حادثة كان يمكن أن تتحول إلى مأساة حقيقية، بعدما أقدم شخص على رمي صخرة على سيارة كانت تسير فوق جسر الكولا، قبل أن يلوذ بالفرار. والأخطر أن هذه ليست المرة الأولى التي تتكرر فيها مثل هذه الأفعال، في مشهد يعكس خطورة الفلتان حين يغيب الردع والمحاسبة.
رمي صخرة على سيارة ليس مجرد حادث عابر، بل فعل كان يمكن أن يقتل أشخاصًا في لحظات. ماذا لو كان في السيارة أطفال؟ ماذا لو أصابت الصخرة السائق مباشرة، أو أفقدته السيطرة على مركبته؟ عندها، كان يمكن أن نكون أمام ضحايا بدل الأضرار المادية التي تكبدها أصحاب السيارة.
وفي كل مرة، يبقى المواطن هو من يدفع الثمن؛ مرة بسبب بنية تحتية لا تصمد أمام أول مطرة، ومرة بسبب فوضى تهدد حياته وممتلكاته، فيما يبقى السؤال عن المحاسبة والردع حاضرًا بقوة.
هاتان الحادثتان، على اختلافهما، ترويان القصة نفسها: في الأولى، غياب الدولة عن البنية التحتية والاستعداد للشتاء، وفي الثانية، غيابها عن الأمن والردع والمحاسبة. والنتيجة واحدة: مواطن متروك لمصيره.
المواطن اللبناني لم يعد يطلب رفاهية. هو يطلب طريقًا لا يغرق عند أول مطرة، وشبكة صرف صحي تؤدي وظيفتها، وطريقًا آمنًا لا تتحول فيه صخرة من يد مجهول إلى سلاح قد يهدد حياة عائلة كاملة.
الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على إصدار القوانين، بل بقدرتها على تطبيقها، ولا بعدد مؤسساتها، بل بمدى حضورها الفعلي في حياة الناس. الدولة الحقيقية هي التي تمنع الخطر قبل وقوعه، لا التي تصل بعد وقوعه لتسأل عن حجم الأضرار.
وفي لبنان، يبدو أن المشكلة لم تعد في غياب الدولة عن الملفات الكبرى فحسب، بل في غيابها عن أبسط تفاصيل حياة المواطن... من أول شتوة إلى أول حجر.















