تبدلت إيران خلال العقود الماضية من نظام الشاه المتحالف مع الغرب وإسرائيل إلى جمهورية إسلامية ترفع راية فلسطين والمقاومة. تغير النظام والخطاب والأدوات، لكن الطموح الإقليمي بقي واحداً: منع قيام قوة عربية قادرة على منافسة طهران، وتثبيت إيران بوصفها القوة التي لا يمكن تجاوزها في المنطقة.
في عهد الشاه محمد رضا بهلوي، لم تكن إسرائيل عدواً لإيران، بل شريكاً استراتيجياً في مجالات النفط والأمن والاستخبارات والتسليح. جمع الطرفين قلق مشترك من صعود القومية العربية، ولا سيما في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، ومن العراق باعتباره القوة العربية الأقرب إلى إيران والأكثر قدرة على منافستها.
بعد أزمة السويس عام 1956، لم تقطع طهران علاقاتها بتل أبيب، بل بدأ النفط الإيراني يصل إلى إسرائيل سراً منذ عام 1957، قبل أن تتوسع الشراكة بينهما خلال الستينيات. وبعد حرب عام 1967، استمرت العلاقات النفطية والأمنية، فيما اعتبرت إيران أن انحسار نفوذ عبد الناصر وتراجع المشروع القومي العربي يخدمان موقعها الإقليمي.
وفي حرب أكتوبر عام 1973، أعلنت إيران مواقف دبلوماسية مؤيدة للعرب وقدمت مساعدات محدودة، لكنها لم تنضم إلى الحظر النفطي العربي ولم توقف علاقتها بإسرائيل. كانت طهران تتحرك وفق مصالحها، لا وفق مقتضيات القضية الفلسطينية.
ثم جاءت ثورة عام 1979، فأغلقت السفارة الإسرائيلية ورفعت شعار تحرير القدس، وتحولت إسرائيل إلى العدو الصهيوني والولايات المتحدة إلى الشيطان الأكبر. لكن التحول الأكبر وقع في الخطاب، فيما بقيت المصلحة الإيرانية هي التي تحدد الحلف والخصم وتوقيت المواجهة.
كانت الحرب العراقية الإيرانية أول اختبار حقيقي للجمهورية الإسلامية. لم تكن الحرب مع إسرائيل، بل مع دولة عربية. وخلالها حصلت طهران على أسلحة وقطع غيار إسرائيلية عبر صفقات سرية، لأن الطرفين التقيا عند هدف إضعاف العراق. النظام الذي كان يرفع شعار الموت لإسرائيل لم يجد مانعاً من استخدام سلاحها عندما أصبح خصمه المباشر عربياً.
وتكرر الأمر مع الولايات المتحدة. في حرب الخليج عام 1991، التزمت إيران الحياد بينما كان العراق يتعرض لضربة عسكرية حطمت جانباً كبيراً من قدراته. وفي أفغانستان عام 2001، تعاونت طهران مع واشنطن في الترتيبات التي أعقبت إسقاط طالبان، وشاركت في مؤتمر بون الذي أسس للنظام الأفغاني الجديد.
أما في عام 2003، فقد أسقط الجيش الأميركي نظام صدام حسين وفكك الجيش العراقي، لتكون إيران المستفيد الإقليمي الأكبر. أزالت واشنطن أخطر خصوم طهران، ثم دخلت الأحزاب والفصائل المرتبطة بإيران إلى قلب الدولة العراقية. لم تكن هناك حاجة إلى تحالف معلن بين الطرفين؛ أميركا أسقطت الخصم، وإيران ملأت الفراغ.
وفي كل هذه المحطات، ظهرت فلسطين في الخطاب أكثر مما ظهرت في النتائج. صحيح أن إيران قدمت المال والسلاح إلى فصائل فلسطينية، لكن دعمها لم يتجه إلى بناء دولة فلسطينية أو توحيد القرار الفلسطيني، بل إلى تعزيز القوى الأكثر ارتباطاً بمحورها وتحويل القضية إلى ورقة نفوذ إقليمية.
حتى عندما تصاعدت المواجهة المباشرة مع إسرائيل، بقيت محكومة بحسابات الردع وحماية النظام الإيراني، ولم تتحول إلى مشروع فعلي لتحرير فلسطين أو إلى خطوة تمنع تدمير غزة. كانت طهران تستثمر في شعار القدس، بينما تبني أدواتها العسكرية الأقوى داخل دول عربية.
لبنان كان النموذج الأوضح.
منذ الثمانينيات، بنت إيران علاقتها مع حزب الله عبر التمويل والتسليح والتدريب. ومع مرور السنوات، أصبح الحزب قوة عسكرية وسياسية تمتلك قراراً يتجاوز الدولة اللبنانية في قضايا الحرب والسلم.
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، دخل لبنان مرحلة من الاغتيالات والاستهدافات طالت سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار أمين الجميل، وليد عيدو، أنطوان غانم، فرنسوا الحاج، وسام عيد، وسام الحسن ومحمد شطح، إلى جانب محاولتي اغتيال إلياس المر ومي شدياق.
وفي قضية الحريري، أدانت المحكمة الخاصة بلبنان سليم عياش، المرتبط بحزب الله، بالمشاركة في المؤامرة التي أدت إلى الاغتيال، من دون أن تثبت مسؤولية قيادة الحزب ككل. أما بقية الجرائم، فلم تصدر فيها أحكام تسمح باتهام جهة واحدة، لكن غالبية المستهدفين كانوا من الشخصيات المعارضة للوجود السوري والسلاح الخارج عن سلطة الدولة.
لم تكن إسرائيل هي المستهدفة في هذا المسار. الضحايا كانوا لبنانيين، والمواجهة كانت داخل لبنان، والنتيجة كانت إضعاف مشروع السيادة وإفراغ الحياة السياسية من عدد كبير من وجوهها.
وفي 7 أيار 2008، استخدم حزب الله وحلفاؤه السلاح في بيروت ومناطق أخرى رداً على قرارات حكومية مرتبطة بشبكة اتصالات الحزب وأمن المطار. يومها ظهر بوضوح أن السلاح الذي رُفع تحت عنوان مقاومة إسرائيل يستطيع أن يتجه إلى الداخل عندما تتعارض قرارات الدولة مع مصالح الحزب وطهران.
ثم جاءت سوريا.
عندما اندلعت الثورة السورية عام 2011، اختارت إيران الدفاع عن نظام بشار الأسد. قدمت له الدعم المالي والعسكري، قبل أن يعلن حسن نصرالله عام 2013 مشاركة حزب الله بصورة صريحة في القتال.
خاض الحزب معارك داخل المدن السورية، لا على حدود فلسطين. كان الهدف حماية الطريق الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت، ومنع سقوط الحلقة الأساسية في شبكة النفوذ الإيراني.
أسهم التدخل الإيراني في إطالة الحرب واستنزاف سوريا وتدمير مدنها وتهجير شعبها. أما إسرائيل، فوجدت أمامها دولة سورية منهكة ومفتوحة أمام الغارات، بدلاً من دولة مستقرة تمتلك جيشاً قادراً على تشكيل توازن إقليمي.
وفي اليمن، دعمت إيران الحوثيين الذين سيطروا على صنعاء عام 2014، قبل أن تتحول البلاد إلى ساحة صراع مفتوحة. تطورت قدراتهم الصاروخية والمسيّرة، وأصبح اليمن ورقة ضغط على السعودية ودول الخليج وعلى الملاحة في البحر الأحمر.
مرة أخرى، لم تنتج سياسة طهران دولة عربية قوية أو مستقرة، بل بلداً منقسماً وقوة مسلحة مرتبطة بالمحور الإيراني.
هذه هي الخريطة التي لا تستطيع الشعارات إخفاءها.
في العراق، توسعت إيران بعد إسقاط الدولة والجيش.
في سوريا، حمت النظام على حساب البلاد وشعبها.
في لبنان، بنت قوة مسلحة تتجاوز مؤسسات الدولة.
وفي اليمن، دعمت جماعة تحولت إلى طرف في حرب إقليمية طويلة.
الدول التي تمددت إليها إيران لم تصبح أكثر قوة أو سيادة، بل أصبحت أكثر انقساماً وأقل قدرة على اتخاذ قرارها بعيداً من طهران. وفي المقابل، بقيت إيران تدير الصراع من خلف حدودها، وتستخدم العواصم العربية أوراقاً في مواجهتها ومفاوضاتها مع واشنطن وتل أبيب.
إيران الشاه دعمت إسرائيل بصورة مباشرة لأنها رأت فيها شريكاً ضد صعود القوة العربية. أما إيران الثورة، فحوّلت إسرائيل إلى عدو في الخطاب، لكنها واصلت عملياً إضعاف الدول العربية التي كان يمكن أن تشكل توازناً حقيقياً في المنطقة.
لم تعد طهران بحاجة إلى الشراكة العلنية القديمة. صار بإمكانها رفع أشد الشعارات عداءً لإسرائيل، فيما تؤدي سياساتها إلى تفكيك خصوم إسرائيل العرب وإشغالهم بالحروب الداخلية والصراعات المذهبية.
القضية ليست وجود تحالف سري دائم بين إيران وإسرائيل، بل أن السياسة تقاس بنتائجها. وحصيلة المشروع الإيراني كانت دولاً عربية منهكة، وجيوشاً ضعيفة، وميليشيات أقوى من المؤسسات، ومجتمعات غارقة في الانقسامات. وهذه هي البيئة التي منحت إسرائيل مزيداً من التفوق والأمان.
لو كانت فلسطين هي الأولوية، لما تحولت بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء إلى ساحات للنفوذ الإيراني.
ولو كانت السيادة مبدأً، لما بنت طهران مشروعها على انتزاع القرار من أربع دول عربية.
ولو كان تحرير القدس هو الهدف، لما بقيت القدس تحت الاحتلال فيما تمددت إيران في العواصم العربية.
من عهد الشاه إلى عهد الجمهورية الإسلامية، تغيرت اللغة من التحالف مع إسرائيل إلى التهديد بإزالتها، وتغيرت الأدوات من العلاقات الرسمية إلى الفصائل والميليشيات. لكن الهدف بقي واحداً: تثبيت إيران قوة إقليمية أولى ومنع العرب من بناء قوة قادرة على منافستها.
كانت إسرائيل شريكاً مباشراً لإيران الشاه، ثم أصبحت عدواً ضرورياً في خطاب الجمهورية الإسلامية. أما العرب فبقوا الثابت في المرحلتين: ساحة للنفوذ، وخصوماً يجب إضعافهم، وشعوباً تدفع ثمن الصراع.
تغيرت إيران، لكن العرب بقوا أولاً.
أولاً في ساحات الحروب.
أولاً في مشاريع التوسع.
وأولاً في دفع الثمن.















