منزل فوق نفق وقرية فوق شبكة كاملة.. فكيف سيواجه الجيش لغز الجنوب؟
كتب شادي هيلانة في موقع "الحقيقة"
تحت الأرض تبدأ الحكاية الأكثر تعقيداً في جنوب لبنان، فكلما كُشف نفق ظهرت خلفه أسئلة أكبر، وكلما جرى تفجير منشأة برزت علامات استفهام حول منشآت أخرى قد تكون ما زالت بعيدة عن أعين القوات التي تبحث عنها، وفي منطقة عاشت سنوات طويلة على وقع التحصينات والحفر والعمل السري، تبدو مهمة التعامل مع هذه الشبكة أشبه بعملية تفكيك طبقات متداخلة، كون ما هو ظاهر فوق الأرض قد لا يقدم الصورة الكاملة لما يجري تحتها.
وفي أحدث ما كشفته القوات الإسرائيلية، ظهرت شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت المحفورة في عمق الصخور في محيط قلعة الشقيف جنوب لبنان، وقالت إسرائيل إن حزب الله عمل على إنشائها وتجهيزها على مدى نحو عقدين، لتكون مواقع محصنة تسمح بالإقامة والقتال لفترات طويلة، وتضم غرفاً للسكن، ومطابخ، وحمامات، ومستودعات للأسلحة والذخائر، إلى جانب غرف عمليات ومرافق طبية وممرات تتيح التنقل داخل المنشأة، في منشأة تصفها إسرائيل بأنها من أوسع البنى التحتية تحت الأرض التي عثرت عليها شمال نهر الليطاني.
هذه الصورة تفتح الباب أمام سؤال أكبر من حدود قلعة الشقيف نفسها، فبحسب مدير العمليات السابق في الجيش اللبناني العميد المتقاعد مارون حتي الذي تحدث إلى موقع "الحقيقة"، فإن الرهان على المناطق التجريبية يحتاج إلى قراءة دقيقة لطبيعة الأرض، إذ يرى أن شبكة الأنفاق والمنشآت لا تقتصر على موقع واحد، وأن الجنوب، في مناطق جنوب الليطاني وشماله، يحمل تعقيدات ميدانية واسعة، ما يجعل التحدي أمام الجيش اللبناني مرتبطاً بكيفية التعامل مع بنية تحت الأرض جرى إعدادها على مدى سنوات طويلة، مع اعتقاده أن حزب الله قد لا يتعاون في هذا المسار، فيما تبقى المشكلة الأساسية في معرفة مدى انتشار هذه الأنفاق وتشعباتها.
ووفق خبير عسكري مطلع على جغرافية الجنوب، فإن المسألة لا تتوقف عند اكتشاف المداخل أو تحديد مواقع المنشآت الكبيرة، فهناك أنفاق قد تمتد من داخل المنازل أو بين الأبنية والقرى، وقد تربط نقاطاً متباعدة عبر مسارات تحت الأرض، ويشير عبر موقعنا إلى أن المنطقة الممتدة من مجدل زون باتجاه الحدود، وعلى مسافة تقارب عشرة إلى اثني عشر كيلومتراً، تضم بحسب المعلومات المتداولة شبكة من الممرات والأنفاق التي قد تصل إلى مناطق مثل تلة علي طاهر، فيما كانت الآلية المعتمدة سابقاً توفر إحداثيات عن مواقع محتملة للأنفاق، ويبقى السؤال حول قدرة الجيش اللبناني على معالجة هذه الإحداثيات ميدانياً، خصوصاً في وقت تعمل فيه إسرائيل على تفجير عدد من هذه المنشآت تباعاً.
التحدي الأكثر حساسية أمام الجيش يرتبط بطبيعة الانتشار داخل القرى، فالنفق قد يبدأ من منزل، أو يخرج في منزل آخر، وقد يكون مدخله داخل ملكية خاصة، ما يضع الجيش أمام معادلة شديدة التعقيد، كيف يدخل إلى قرية ويفتش المنازل ويبحث عن مداخل تحت الأرض من دون أن يتحول الأمر إلى مواجهة مع الأهالي، وكيف يتعامل مع رفض محتمل للتفتيش، خصوصاً إذا تجمع السكان لمنع الدخول إلى الممتلكات الخاصة، عندها قد يصبح أي احتكاك ميدانياً مدخلاً إلى أزمة أكبر، وقد تجد إسرائيل نفسها أمام مبررات للتدخل أو استئناف عملياتها العسكرية.
وفي هذا الإطار، يميز الخبير بين نوعين من المنشآت، فهناك أنفاق جرى حفرها بصورة يدوية ويمكن أن تنتشر تحت المنازل والقرى، وهناك منشآت أوسع تحتاج إلى معدات وآليات كبيرة لتنفيذها، ويطرح احتمال وجود منشآت من طراز ما يعرف بمنشآت عماد 4 في مناطق جبلية بعيدة عن التجمعات السكنية، مثل جبل الريحان، فيما تبقى شبكة أخرى من الأنفاق موزعة تحت القرى والبلدات، وهو ما يجعل عملية المسح الميداني أكثر صعوبة، إذ لا يمكن التعامل مع كل الأنفاق بالطريقة نفسها، ولا يمكن افتراض أن كشف منشأة واحدة يعني انتهاء المهمة.
ومن هنا تبدو المناطق التجريبية أمام اختبار حقيقي، فنجاح الجيش في بعض المناطق، مثل بزوطر، قد يقدم نموذجاً قابلاً للتوسع، فيما قد تفرض مناطق أخرى مثل فرون وصريفا ظروفاً مختلفة تماماً، نظراً إلى احتمال اضطرار الجيش إلى الدخول إلى منازل ومواقع خاصة، والبحث داخل شبكة من الأنفاق التي قد تكون متصلة ببعضها ما قد يرفع مستوى الاحتكاك ويجعل المهمة أكثر حساسية.
المشهد في الجنوب، وفق هذه القراءة، لا يتعلق فقط بانتشار الجيش فوق الأرض، وإنما بقدرته على التعامل مع مساحة كاملة تحت الأرض، وهي مساحة تحتاج إلى معلومات دقيقة،وتعاون محلي، وقدرات هندسية واستخبارية وآلية واضحة للتفتيش، لأن أي فجوة في هذه المنظومة قد تترك منشآت مجهولة خارج نطاق المعالجة، وتعيد إنتاج المشكلة في وقت لاحق.
وفي المقابل، فإن الحزب أمام واقع جديد أيضاً، فكلما توسعت عمليات الكشف عن الأنفاق، ازدادت الأسئلة حول حجم الشبكة الحقيقية، ومدى استعداد الحزب للتعاون في تحديدها وما إذا كانت المناطق التجريبية ستتحول إلى نموذج يمكن تعميمه على بقية الجنوب، أم أن دخول الجيش إلى القرى والمنازل سيصطدم بعوائق ميدانية وشعبية تجعل المهمة أكثر تعقيداً.
لهذا السبب، فإن معركة الأنفاق قد تكون الاختبار الأصعب أمام أي خطة جديدة في الجنوب، لأن السلاح الظاهر يمكن رصده ومصادرته، أما المنشأة التي تختبئ تحت منزل أو تمتد بين قريتين، فتحتاج إلى مسار مختلف تماماً، ومع كل نفق جديد يظهر إلى العلن، تتسع مساحة الأسئلة حول ما بقي مخفياً وحول قدرة الجيش على الوصول إلى آخر نقطة في هذه الشبكة من دون أن تتحول عملية التفتيش نفسها إلى أزمة أمنية وسياسية جديدة.












