كيف تحولت السيادة إلى تهمة في الخطاب اللبناني؟
في خضم السجال الدائر حول مستقبل لبنان، يبدو أن بعض النخب العربية ما زالت عاجزة عن تشخيص جوهر المعضلة اللبنانية. فالنقاش يُقدَّم غالبًا على أنه مواجهة بين الوطنية والخيانة، أو بين المقاومة والاستسلام، بينما الحقيقة أبسط وأعمق في آن واحد: لبنان يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما استعادة الدولة لسيادتها الكاملة وقرارها الوطني المستقل، وإما الإبقاء على واقع حوّله إلى ساحة تتقاسمها قوى خارجية وتتنازع على أرضه وقراره.
إن معيار وجود الدولة في العلوم السياسية والقانون الدولي واضح لا لبس فيه: احتكار القوة المشروعة وامتلاك القرار الحصري في الحرب والسلم. ومن دون ذلك تتحول الدولة إلى إطار شكلي يفتقد أهم وظائفه السيادية. لذلك فإن جوهر الأزمة اللبنانية لا يتعلق فقط بملفات الحدود أو النزاعات الإقليمية، بل بمسألة أكثر أساسية تتمثل في الجهة التي تملك القرار النهائي في القضايا المصيرية للدولة.
في حال استعاد لبنان سيادته الكاملة، فإن الدولة تصبح المرجعية الوحيدة في إدارة الصراعات الخارجية والدفاع عن مصالح البلاد، حتى لو بقيت ملفات عالقة تحتاج إلى تفاوض طويل ومعالجات سياسية وقانونية. أما إذا استمر الوضع الراهن، فإن لبنان يكون قد قبل عمليًا بتحويل فقدان السيادة من حالة استثنائية فرضتها الظروف إلى خيار سياسي دائم، بما يعنيه ذلك من استمرار الارتهان للتجاذبات الإقليمية والدولية.
والمفارقة أن كثيرًا من المدافعين عن هذا الواقع يرفعون شعارات حماية الوطن فيما يدافعون، من حيث لا يشعرون أو يشعرون، عن معادلة تنفي الأساس الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. فالدولة التي لا تملك وحدها السلاح الشرعي ولا تحتكر قرار الحرب والسلم ليست دولة بالمعنى الكامل للكلمة، بل كيانًا منقوص السيادة يعيش تحت وطأة توازنات موازية لسلطته الدستورية.
إلى جانب ذلك، تبدو بعض الرهانات السياسية مبنية على تصورات لا تنسجم مع حقائق السياسة الدولية. فإيران، التي يُنظر إليها بوصفها الراعي الرئيسي لمحور النفوذ الإقليمي الذي يمتد إلى لبنان، تواجه تحديات اقتصادية ومالية وسياسية متزايدة تفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها. والتاريخ يعلمنا أن الدول، مهما رفعت من شعارات أيديولوجية، تبقى محكومة في النهاية بحسابات البقاء والمصلحة والكلفة. وعندما تتعاظم الضغوط الداخلية تصبح المحافظة على استقرار النظام أولوية تتقدم على تمويل مشاريع النفوذ الخارجية.
وفي المقابل، لا يبدو أكثر واقعية الرهان على أن الولايات المتحدة ستفرض على إسرائيل انسحابًا كاملًا أو تسويات جذرية بمعزل عن شبكة المصالح والتوازنات الأمنية والسياسية التي تحكم المنطقة. فالعلاقات الدولية لا تُدار بالرغبات ولا بالشعارات، وإنما بموازين القوى والمصالح المتبادلة.
من هنا، فإن مستقبل لبنان لن يُحسم بخطابات الممانعة ولا بأوهام الوصاية الخارجية، أيًا كان مصدرها. فالمخرج الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة للسلاح والسيادة والقرار الوطني. أما استمرار التعويل على القوى الخارجية، سواء قُدِّمت بوصفها حليفًا أو راعيًا أو حاميًا، فلن يؤدي إلا إلى إدامة الأزمة وتعميق التبعية وتأجيل قيام الدولة.
إن بناء الدول لا يقوم على الولاءات العابرة للحدود، ولا على ازدواجية السلطة، ولا على تعدد مراكز القرار. فالدولة الحديثة لا تُصان إلا بسلطة وطنية واحدة تحتكر القوة المشروعة وتخضع جميع المؤسسات والأفراد لمرجعيتها القانونية والدستورية. وما عدا ذلك ليس مشروع دولة مستقلة، بل إدارة مستمرة لأزمة مزمنة تتجدد بأشكال مختلفة وتبقى عاجزة عن إنتاج الاستقرار والسيادة والتنمية.














