في السياسة، قد تختلف المواقف وتتباين القراءات، لكن يفترض أن يبقى هناك معيار واحد للمسؤولية. أما في لبنان، فقد أصبح حتى هذا المعيار خاضعاً للحسابات السياسية. لم يعد السؤال من يطلق النار، بل من يفاوض. ولم تعد الجريمة تُقاس بهوية من ارتكبها، بل بهوية من كان يدير المسار السياسي لحظة وقوعها.
هنا تكمن المفارقة الكبرى: القاتل ثابت، لكن المتهم يتغير.
منذ بداية الحرب، كان الخطاب واضحاً. كلما حاولت الدولة اللبنانية فتح باب سياسي لوقف إطلاق النار أو تثبيت هدنة، كان سياسيو وإعلاميو حزب الله ومن يدور في فلكهم يسارعون إلى تحميل الدولة ورئيسيها مسؤولية أي دم يسقط إذا لم تلتزم إسرائيل. لم يكن التركيز على من يخرق الاتفاق ويقصف المناطق اللبنانية، بل على من حاول الوصول إلى اتفاق يوقف القصف.
وكأن المطلوب ليس وقف الحرب، بل منع الدولة من امتلاك أي دور في إدارة الحرب أو السلم.
لكن هذا الخطاب تبدّل عندما دخل لبنان ضمن التفاهم الأميركي – الإيراني، الذي قُدّم على أنه إطار إقليمي قادر على احتواء التصعيد ووقف الأعمال العدائية على مختلف الجبهات، ومنها لبنان. يومها، لم تتوقف الغارات الإسرائيلية، ولم تنتهِ الخروق، ولم تتحول دماء اللبنانيين إلى مسؤولية سياسية على من قدّموا ذلك التفاهم كضمانة.
صمتٌ كامل حلّ مكان حملات الاتهام.
لم يُسأل من بشّر اللبنانيين بأن التفاهمات الإقليمية ستؤمن الحماية. لم تُطرح مسؤولية من راهن على هذا المسار. ولم يُفتح نقاش حول فشل الضمانات التي قيل إنها ستشمل لبنان. وكأن المسؤولية لا تُقاس بنتيجة المسار، بل فقط بالجهة التي تقوده.
والوقائع على الأرض تكشف هذا التناقض بوضوح.
عندما أُعلن في منتصف حزيران 2026 أن التفاهم الأميركي – الإيراني سيفتح الطريق أمام وقف الأعمال العدائية، بقي الجنوب تحت النار. استمرت الغارات الإسرائيلية على مناطق عدة، وسُجلت خروق متتالية، وسقط شهداء وجرحى. وفي 19 حزيران، وبعد موجة قصف إسرائيلية واسعة على الجنوب والبقاع، أُعلن تجديد وقف إطلاق النار، لكن الضربات استمرت في اليوم التالي أيضاً. ومع ذلك، لم نشهد الخطاب نفسه الذي وُجّه لاحقاً إلى الدولة اللبنانية.
لم يكن هناك من يقول إن من رعى التفاهم فشل في حماية لبنان. لم يكن هناك من يطالب بمحاسبة من قدّم الوعود. فقط الدولة اللبنانية تبقى دائماً في قفص الاتهام.
وفي كفررمان، تظهر الصورة بشكل أكثر وضوحاً. فالبلدة نفسها تعرضت لاستهداف إسرائيلي في 24 حزيران، قبل اتفاق الإطار اللبناني – الإسرائيلي، وفي مرحلة كان الحديث فيها عن شمول لبنان بالتفاهم الأميركي – الإيراني. سقط ضحايا، لكن الحادث لم يتحول إلى حملة سياسية ضد أصحاب ذلك المسار.
أما بعد انتقال الملف إلى مسار تقوده الدولة اللبنانية، فقد عادت إسرائيل إلى كفررمان نفسها في 10 تموز، واستهدفت المنطقة مجدداً، فسقط شهيد وأصيب آخر. لم يتغير المعتدي، ولم يتغير السلاح، ولم تتغير الجريمة. الذي تغير فقط هو عنوان المسار السياسي، فتحولت الجريمة الإسرائيلية إلى مناسبة لمهاجمة الدولة.
أما النبطية الفوقا، فقد كانت الاختبار الأكثر وضوحاً. غارة إسرائيلية أوقعت أربعة شهداء، بينهم مديرة مدرسة ووالدتها وعاملة أجنبية وعامل سوري. كان يفترض أن يكون السؤال الطبيعي: لماذا استهدفت إسرائيل المدنيين؟ لماذا تستمر في خرق أي تفاهم؟ لكن السؤال انحرف سريعاً ليصبح: لماذا تفاوضت الدولة؟ ولماذا اختارت هذا المسار؟
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: تحويل الضحية من دليل على جريمة العدو إلى أداة في المعركة السياسية الداخلية.
إذا كان المنطق أن الدولة تتحمل مسؤولية أي خرق إسرائيلي لأنها تفاوض، فليكن هذا المنطق ثابتاً. وإذا كان منطقهم أن إسرائيل هي المسؤولة لأنها صاحبة قرار القصف والاغتيال، فليُطبق هذا المعيار في كل المراحل، لا فقط عندما تكون الدولة اللبنانية هي الطرف الذي يدير التفاوض.
أما أن تصبح المسؤولية مرتبطة بهوية الوسيط، فتلك ليست قراءة سياسية، بل ازدواجية واضحة.
اليوم، ومع انتقال المسار اللوجستي للمفاوضات إلى روما، يعود السؤال نفسه: هل المشكلة في مكان التفاوض أم في محاولة الدولة استعادة دورها؟ وهل المطلوب فعلاً حماية لبنان، أم إبقاء قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة؟
فإسرائيل لم تتغير. هي نفسها التي تقصف، وتخرق، وتقتل. الذي تغير هو الخطاب حولها. مرة تُعامل كعدو لا يمكن ضبطه، ومرة يُستخدم عدوانها لمهاجمة الدولة اللبنانية.
في النهاية، لا يمكن بناء دولة على قاعدة أن المسؤول عن الرصاصة هو من حاول إيقاف إطلاقها، وأن من أطلقها يبقى دائماً خارج دائرة الاتهام.
الدم اللبناني لا يحتمل معيارين. والعدالة لا تكون انتقائية. فمن يريد محاسبة المسؤولين عن سقوط الشهداء، عليه أن يبدأ من السؤال البديهي: من أطلق النار؟













