في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، تتجه الأنظار إلى زيارة وزير الخارجية السوري إلى بيروت غداً، وهي زيارة تتجاوز، بحسب مراقبين، إطارها الدبلوماسي التقليدي لتكتسب أبعاداً سياسية مرتبطة بمسار العلاقات اللبنانية–السورية، في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، والانفتاح الذي بدأ يتبلور بين بيروت ودمشق خلال الأشهر الأخيرة.
وتطرح الزيارة جملة من التساؤلات حول طبيعة الرسائل التي تحملها، وما إذا كانت ستؤسس لمرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين، خصوصاً بعد اللقاءات التي جمعت مسؤولين لبنانيين وسوريين، والتي عكست توجهاً نحو إعادة تنظيم العلاقة على أسس مختلفة عن تلك التي حكمتها لعقود.
وفي هذا السياق، أكد الكاتب والمحلل السياسي وجدي العريضي، في حديث خاص لـ”الحقيقة”، أن زيارة وزير الخارجية السوري تحمل أكثر من عنوان سياسي، ولا يمكن اختصارها في إطار بروتوكولي أو دبلوماسي، معتبراً أنها تأتي استكمالاً لمسار الانفتاح الذي بدأ بين القيادتين اللبنانية والسورية.
وأشار العريضي إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع، ومنذ توليه المسؤولية، يسعى إلى ترسيخ نمط جديد في العلاقة مع لبنان، يقوم على احترام سيادة الدولتين وعدم العودة إلى التجارب السابقة التي تركت آثاراً عميقة في الذاكرة اللبنانية. ولفت إلى أن اللقاء الذي جمع الشرع برئيس الجمهورية اللبنانية في قطر، إضافة إلى زيارة رئيس الحكومة إلى دمشق قبل أسابيع، عكسا هذا التوجه بشكل واضح.
وكشف العريضي، استناداً إلى معلوماته، أن الشرع أبلغ أحد المسؤولين اللبنانيين المسيحيين البارزين أنه “لن نتدخل في الوحل اللبناني”، في رسالة تعكس، بحسب وصفه، قراراً سورياً بعدم العودة إلى سياسة التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية أو إعادة إنتاج النموذج الذي ساد خلال حقبتي حافظ الأسد وبشار الأسد.
وأضاف أن الرئيس السوري يدرك حساسية الواقع اللبناني وتعقيداته السياسية والطائفية، ولذلك يحرص على أن تكون العلاقة مع بيروت قائمة على التعاون لا الوصاية، وعلى المصالح المشتركة لا التدخل في التوازنات الداخلية.
وفي ما يتعلق بالعلاقة مع حزب الله، أوضح العريضي أن الشرع ينظر إلى هذا الملف من زاوية مصلحة الدولتين، مشيراً إلى أنه لا يمانع قيام علاقة طبيعية إذا كانت تصب في خدمة الاستقرار والمصلحة المشتركة، بعيداً عن الحسابات التي حكمت المرحلة السابقة.
ورأى أن من أبرز الرسائل التي سيحملها وزير الخارجية السوري خلال زيارته تأكيد الحرص على أفضل العلاقات مع مختلف المكونات اللبنانية، وفي مقدمها الطائفة الشيعية، لافتاً إلى أن دمشق لا تنظر إلى أي مكوّن لبناني بمنطق الخصومة، بل تسعى إلى تعزيز الثقة مع الجميع. وأضاف أن شخصيات لبنانية عدة نقلت خلال زياراتها الأخيرة إلى دمشق، ومن بينها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، تحيات رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى الرئيس السوري، في مؤشر على استمرار قنوات التواصل بين الجانبين.
وأشار العريضي إلى أن جدول أعمال الزيارة لن يقتصر على الجوانب السياسية، بل سيتناول أيضاً ملفات عملية، أبرزها ضبط الحدود، وتنظيم المعابر الشرعية، ومكافحة تهريب المخدرات، ومعالجة القضايا الحدودية العالقة بين البلدين، وهي ملفات تحظى بأولوية لدى الحكومتين.
كما لفت إلى وجود تنسيق أمني مستمر بين بيروت ودمشق، مشيراً إلى الدور الذي يقوم به المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير في متابعة ملفات الحدود والتعاون الأمني، بما يهدف إلى الحد من عمليات التهريب وتعزيز الاستقرار على جانبي الحدود.
وختم العريضي بالتأكيد أن زيارة وزير الخارجية السوري تشكل محطة سياسية مهمة في مسار إعادة بناء العلاقات اللبنانية–السورية، وأن نجاحها سيُقاس بما ستفضي إليه من خطوات عملية تعزز التعاون بين البلدين، في ظل مرحلة إقليمية تتطلب أعلى درجات التنسيق والحوار.














